“فقال لهم المعلِّم: تعالوا أنتم وحدكم إلى مكان خلوتي لترتاحوا قليلاً.
فمضوا وحدهم في مركبٍ إلى مكان مقفِر! !سيرة الترهُّب والمترهِّبين في مراميها الأدق تعبيرًا، هي مسيرة عبور يسوع ابن البشر إلى بريَّة الأيام الأربعين حيث تنسَّكت أصوامه وصلواته واكتملت تجاربه، وأنَّ ما بين باب بيته الوالدي في ناصرة الجليل ومداخل القفر البعيد ذات المسافة ما بين الصَّمت المطلَق وذاك الصَّوت الرَّهيف الذي لا يسمعه إلاَّ الصّامتون.
طوال أربعين يوم والربُّ المتزهِّد يخطِّط لأبناء الأسرة الرهبانية الكبرى، إستراتيجية الإطاحة بأركان الجسد المتعددة، وأهمها تلك المعاكسة النذور الثلاثة.
يسوع أوَّل المترهِّبين أستلهم في بريَّته ترهُّبًا يصدم البشريَّة الكونيَّة ويصطدم بمجتمعاتها واجتماعيَّاتها، ويشذِّب فيها النواقص والزَّوائد.
وماذا يُزاد على قوانين رهبانيَّة ويُنقَّص منها بعد قانون مؤلَّفٍ من جملة جَزمٍ واحدةٍ لا قبلها ولا بعدها: “إنَّ مملكتي ليست من هذا العالم”!زحلة 1860.
صيفٌ أمطر دماءًعروسة الثلاثة هيَّ: البقاع، ولبنان، والشرق.
إكليلها مقطع مزَحلنٌ عن النَّشيد الوطني اللبناني: “سهلها والجبل منبتٌ للرجال”، وليس كأيِّ رجال.
زحلة الرَّاسيَّة عند أطراف سهل البقاع ومطلِّ جبل لبنان رسوَّ سفينة معلم الإثني عشر المطوَّقة بالموج الحقود الغضوب، والأعاصير العاتيَّة الهمجيَّة، لكنَّ تاج سيِّدة السيّدات الزحليّة مرصوفٌ بنجوم سيديَّة سياديَّة لا يطالها أيُّ متطاول، والتَّاريخ الزَّحلي يقوم مقام قابلةٍ قانونيَّة شهدت على ولاداتٍ فيها الأسود تلد أسودًا والأمَّهات تتوحَّم على البواريد، والموت في العزِّ زغردةٌ زحلاوية وحوربةٌ بردونيَّة، وصنين مفتوح المعابر على النَّخوات!“مَن يعترف بي أمام الناس، أعترف به أمام أبي الذي في السَّماوات”.
كأنَّ آية هكذا اعتراف كانت لزحلة الشهيدة روزنامة حزيران 1860… بالحيلة والخديعة والخساسة انسلَّوا إليها وتسلَّلوا انسلال الأفاعي وتسلل الثعالب، ومدينة السَّلام والميامين لم تكن أبدًا مدينة استسلام، وحزيرانها الدَّامي يبقى عارًا على الغادرين بها من أقربهم حتى أبعدهم، وخلعًا مرتجعًا لأنياب أشباه الذئاب والضِّباع والتَّماسيح!عائلة الوالد جبَّور أبو مراد والوالدة أليصابات كمعظم العائلات الزَّحليَّة، قد اختبروا اختبار العنفوان الجَّريج مسالك التَّهجير القسري، ومفارق الرَّحيل القاهر والتشرُّد القهَّار، وفراق الدار والحي والجيرة وكروم العلالي وكاسات أبنة الكرمة.
منابع البردوني تفيض مياهً ودمعًا ودماء.
ذلك الحزيران الزَّحلي حلَّ احتفالاً قانيًا مسيحانيًا بتوأمةٍ أبديَّة زحالنة البطولة والشهادة، وبين شهيد الآب والعذراء المغروس اليدين والقدمين بمسامير أورشليميَّةٍ، والمطعون الجنب بحربةٍ رومانيَّة! !داخل بيتٍ من بيوت حي مار الياس، عامرٍ بالبساطة المسيحية، والوداعة المجتمعية، والمعيشة الفائضة بصلاة خبزنا كفاف يومنا، تمَّت ولادة سليم بن جبور أبو مراد وأليصابات بطرس القش نهار 19 نوَّار 1853، والشهر شهر ورود مولودة في مصاطب وأطراف حفافي جارة الوادي، كما شهر ورديَّاتٍ تزنِّر صباحات مدينة الشِّعر ومساءاتها بشاعرية السلامات الملائكية المرفوعة لملكةٍ هي وحدها ملجانا وعليها رجانا.
سليم العيلة الأبو مرادية عرف طريق الاستقامة، طفلاً يقرأ خطوطها على ملامح والده جبور المستقيمة كجبين الصباح الممتدِّ من الشَّفق إلى الشَّفق.
والطِّفل سليم يكتشف اكتشافًا طفوليًا بعضًا بريئًا من البيت السماوي يجول بين بيوت مسبحة أمه أليصابات يتنقَّل بأسراره من سرٍّ إلى سر، ومن تلك البيوت لاحَ لعينيه الشفَّافتين ديرٌ كأنَّ موقعه ما بين القريب والبعيد ومن أين لعقل ذلك الطفل أن يتَّسع لحجم تلكَ المناداة: ”أترك كلَّ شيءٍ واتبعني”!باكرًا تعرَّف سليم النوايا البيضاء على هيرودس سفّاح بيت لحم، من خلال هيرودسٍ عثمانيٍّ باسم خورشيد باشَّا كبير سفَّاحي وجزَّاري الزلزال الدموي المدموغ بدمغة فظاعات وتفظيعات العام 1860.
الصَّغير سليم أبو مراد وأخوته الأربعة عاشوا بالواقع المجرَّد ما سمعوه من حكاية هروب يوسف الصَّامت الصبَّور بالصبي وأمه إلى غربة أصقاعٍ مصريَّة لا يعرف أحدًا فيها إلاَّ صوت ملاك الرب يطالبه بإنقاذ مشروع الآب الذي أرسل أبنه الوحيد نورًا للأمم.
ها هي الأم وفلذاتها الخمسة وبعد نيِّفٍ والفٍ وثمانية وستين سنة يعاينون آثار أقدام تهجير عائلة النَّاصرة مطبوعةً دروب الدم والنار والخراب المحيطة بزحلتهم ومراثي أرميا النبي وولولات راحيل الثكلى تعمُّ جبل لبنان وزحلة وصولاً إلى بعض الجنوب وبيروت وزحلة والبقاع الغربي حتَّى دمشق الأخوة المسابكيين.
الوالد جبور بقي فردًا من مقاومة زحليَّة تواجه باسم مسامير المصلوب وشفاعتها حضارة السَّكاكين المسنونة للمسالخ، وشرعة الفؤوس المختصَّة بطحن الرؤوس، وقبائل الخناجر والسيوف والسَّواطير، يرافقها ويرافقهم ترنيم “الرب نوري وخلاصي”.
مشت الأم الملتاعة أليصابات تتشرَّد مع خمسةٍ من ضناها بين بسكنتا، المعقل التاريخي لأمراء ومقدِّمي المقاومة اللبنانية، ومنها إلى ضواحي بيروت ثمَّ المتاهة في البراري، جوعًا وعطشًا ونومًا على صوت عواء الذئاب، إلى أن وفَّقهم ملاكهم الحارس بأحد أنسباء الوالد جبور، فاصطحبهم إلى زوق العاصية كسروان وأسكنهم كان على خبز وملح ووفاءٍ مع مالكيه، إلى أن تدخَّلت بوارج الجنرال الفرنسي بوفور وأغلقت الأبواب على أهوال جحيم توحُّش تلك المجازر الخورشيدية، فعادت عائلة أبو مراد مع العائدين على القَسم بالله العظيم وأمِّه بأنَّ تبقى زحلتهم، زحلة لبنان والشرق فوق الوقوف والبكاء على الأطلال! !ما أحبَّ مساكنَكَ يا دير المخلِّصالسَّليم في اختيار الهدف الأثمن، قد أشرف على ربيعه العشرين زاهدًا بكلِّ ما حوله، متنقِّلاً بين كنيسة ومزار، يختلي حيث الصَّلاة في الخفية، ويعتزل حيث السجود والانخطاف بعيدينِ عن العيون.
أدخله والده سوق التجارة، فكان بينه وبينها نفور وعدم انسجام.
يمسك المال كالماسكِ عقربًا يلسع ويلدغ.
معظم ما في دكَّانه يتسلَّل سرًا ومجَّانًا إلى المعوزين، وتلهُّفًا على ضروريات العيل المستورة، وما أكثر ما أفرزته نكبة الأيام السوداء من مآسي الفقر المدقِع والعوز المحرِج.
تأكدَّ للفتى أنَّه يساكن مجتمعًا لن يكون يومًا منه، ويعايش عالمًا ماديًا لا تجمعه به إلاَّ صِلة الأضداد.
فالمجد الذي يطمح إليه الزاهد العشريني هو ذلك الذي يخفيه عن مجالس التَّمجيد والتَّعظيم والتَّفخيم، والشهرة التي لا يسعى لسواها، هي التي تحميه وتقصيه عن قاعات التَّكريم والتَّصفيق، والإشادة، ومصافحات التَّهنئة، والمهنِّئين.
ابن زحلاويَّة أبيه ذات الإباء وكلمة الشَّرف، وربيب أمٍّ ربَّته بالشكر والنذر تحوَّلت أبواب الدنيا بأسرها إلى بوَّابة دير مداميكه مداميك ملكوتٍ وسقفه حجاب السَّماء!البريق الإلهي قد بلغ مداه فما عاد باستطاعة الوالد جبور أن يرفس المهماز.
إنَّ بين الديرة الزحليَّة ودير المخلِّص طبعةُ أقدام نواحي جنَّاشر القديمة، وابن جبور وأليصابات قادمٌ قدوم تلميذ صنَّارة وشبكة صيد يتخرّج من جنَّاشر الجديدة بكفاءة صيَّاد يصطاد النفوس، يقدِّمها لسيِّد الخلاص والفادي المخلِّص! !الأول من أيلول 1874 صوَّب سليم جبور أبو مراد عيناه وخطواته إلى بلاد الشوف وجرس دير يسوع المخلِّص يملأ روحه أجراسًا.
وصل ماشيًا مشية النَّجم المهتدي إلى مزود الميلاد، وعند عبوره البوابة الديرية المخلِّصية، تلاقى ابن الأخت بخاله الراهب المخلِّصي الأب بولس القش ومن بعد هذا التَّلاقي العائلي العفوي سعى طالب الرهبنة لمقابلة الأب الرئيس نيلاً للبركة وموافقة الانضمام إلى الرهبان المخلصيين.
وفي يوم 19 من ذات شهر أيلول، ارتدى سليم لباس الأخوة المبتدئين، ومن يومها أصبح العائلي من الماضي واسمه الرهباني المؤبد الأخ بشارة.
دخل قاعة صفوف الدَّارسين دخول التلاميذ الأوائل عليَّة العنصرة مجتهدًا، متعمِّقًا، ثم متخرِّجًا في الفلسفة الكنسية واللاهوت، فتمَّت سيامته شماسًا إنجيليًا وهدف أهدافه أن يكون فيه خصائصًا ولو زهيدة، من خصائص متى ومرقس ولوقا ويوحنا.
بعد شمَّاسيته فاجأ الشماس بشارة السلطة الرهبانية بتأثُّره واقتدائه بشمَّاسية أفرام كنَّارة الروح القدس الذي رفض رتبة الكهنوت، قناعة منه بأنه غير مستحقٍ لميرونها، ولاستحضار جسد الرب ودمه إلى مهابة الكلام الجوهري، لكنَّ رؤساءه عالجوه وعاجلوه بأمر الطَّاعة فانصاع الإناء الثمين للأمر وجرى الاحتفال بسيامته كاهنًا نهار تهنئة العذراء بمولودها في 26 كانون الأول 1883 وشعاره الكهنوتي آية النبي حزقيال: “إنَّي أقمتكَ رقيبًا لهذا الشَّعب، فكل نفسٍ تهلك بسببكَ، فمن يدك أطلبها”.
بعد قداسه الأول أنصرف الأب بشارة إلى رعاية أكليركيي الرهبانية، راعيًا يهديهم إلى المراعي الخصيبة البرارة والقداسة ومثالية الطّاعة والعفة والفقر والإمِّحاء، فعرف طالبو الكهنوت عظيم جودة الرب وكرمه وإنعامه عليهم طيلة ثماني سنوات بهذا المعلم الراعي الكليَّ البشارة! !هيَّا إلى دير القمر وواديهاتشرين الثاني 1891 دخل الراهب المخلِّصي أبونا بشارة أبو مراد عاصمة الأمراء دير القمر وشقيقة زحلته في ذبيحة 1860.
جاء الدير طائعًا قرار تعيينه خادمًا لرعاياها خدمة خميس الغسل.
غاسلاً الرؤوس من يباسها، غاسلاً القلوب من أحقادها، غاسلاً النفوس من أوهانها، غاسلاً أبناء رعيته بالأبوَّة والكرامة، فكان طوال أثنين وثلاثين سنة بين الدير وواديها كتابًا من لحم ودمٍ وميرون يحمل عنوان ومضمون كتاب الاقتداء بالمسيح!دخل أبواب السجون كما يدخل قلاَّيته الديرية.
دخلها أبًا يحمل قلبه وخبزه وقربانه إلى أبنائه المساجين، يحمل إليهم الرجاء والتعزية كما يحمل كأس قدّاسه.
وفي يقينه أنَّ الإجرام الأكبر هو الأسباب المتعددة التي غيَّبتهم خلف القضبان، كما التواء وأعوجاج أقواس العدالة.
زمن الحرب العالمية الأولى صدرت أحكام إعدام جبل لبنان تجويعًا، فمضى الأب بشارة بحصصه من أرغفة الخبز الديرية اليومية يقرع بها أبواب الجائعين وهم بالآلاف ولا يترك لجوعه إلاَّ أقل من ربع ما يوزِّعه، فتهاوى الجسد الضَّعيف لكن روح تبشير الجياع بلقمة الحياة بقي مستعدًا قويًا يتفاعل في هذه البشارة الكهنوتية التي قاربت أعجوبة الخبز والسمك مقاربة كادت تكون طبقَ الأصل.
من رعايا الودايا إلى رعية صيدا، تكاملت آلام الصَّلب في الجسد المتهالك النَّحيل الصَّابر صامتًا راضيًا كأيوب البار.
أواخر العام 1926، تحوَّل كيان الأب بشارة إلى شبه جسدٍ هيوليٍّ ينتقل به من هللويا إلى هللويا، إلى أن قررت السلطة الرهبانية إعادة بطل النذور وفارسها وشهيدها إلى ديره الأول دير المخلص، يوم 26 شباط 1923، فأمضى سنواته السبعة الأخيرة يتمم كامل تفاصيل المراحل الأربع عشر حتى يوم سبت الموتى 22 شباط 1930.
صبيحة ذلك السبت، لبس دير المخلص جون كامل حلَّة الجمعة العظيمة ومصلوبه المنازع الأب بشارة أبو مراد يتمتم: ”قد تمَّ كل شيء”.
وانفتحت أبواب السماوات للملقى العظيم! !“رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له: طوبى للبطن الذي حملكَ والثديين اللذين أرضعاك.
فقال لها يسوع: بل طوبى للذي يسمع كلمة الله ويعمل بها”.
مديحٌ مندمج بأعجاب وانبهار امرأةٍ كانت مأخوذةً مشدودة إلى كلام يقوله المعلِّم، قد ملأها نورًا حتَّى شفَّة الإناء، والإصغاء الرَّهيف هو أرفع أواني الكلمة مشهدٌ إنجيليٌّ يطل علينا يوميًا من شرفة كتاب العهد الجديد، فيه كل ما يفسِّر تلازم الملامح الملائكية والبشرية في محيَّا الراهب المخلصي أبونا بشارة أبو مراد، كما أنَّه يقول أوفى ما يقال عن هذا الوفيَّ لعهد الرب من يوم ولادته في زحلة حتى يوم نياحه مولودًا في مملكة المخلِّص السماوية.
طفولته، دعوتُه، أيَّامه الرهبانيَّة والكهنوتية والرعائية، آيات الشِّفاءات الروحية والجسدية التي تحقَّقت بشفاعته المسموعة، توثيق ملفات تطويبه وتقديسه، إنَّ مجموعة هذه الوقائع والإثباتات تسابق الكرسي الرسولي شعبيًا مجاهرة بأنَّ أبونا بشارة الذي عاش كبيرًا من كبار سامعي كلمة الرب والعاملين فيها هو من أركان سفر تكوين الأقداس المعطاة للقديسين، وها كنيسة الملكيين تواكب الكنيسة المارونية مواكبَةً لبنانيّة مشرقيّة الى مذابح التطويب والتّقديس! !!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك