ينتقل أدونيس في الجزء الثالث من مشروعه «الثابت والمتحول» إلى تحليل سلطة الموروث الديني في الإنتاج الفقهي لكل من القاضي عبدالجبار وأبوحامد الغزالي والفارابي وابن تيمية، ليبين موقع العقل لديهم.
وأعلى هؤلاء شأناً في الانتصار للعقل هو الفارابي الذي يميل إلى الفلسفة ويعتمد البرهان في التعلم، ويُلمح إلى الوظيفة الاجتماعية والفكرية للشعر والخطابة، حين يعتبرهما وسيلة لتعليم الجمهور ما قد استقر الرأي فيه وبات مبرهناً عليه من الأشياء النظرية والعملية.
ويأتي بعده عبدالجبار في تأكيده أن النظر يوجب العلم، وما اكتمل من الدين هو الشرع وليس النظر العقلي.
أما أقلهم انتصاراً للعقل، في نظر أدونيس، فهو ابن تيمية، الذي هو أقوى من نظر إلى نفي المحدث، من خلال ردوده الشهيرة على «الابتداع» الذي هو ناجم، في رأيه، عن فهم فاسد للنصوص، وعبر تأكيده أن منشأ الضلال هو الإعراض عن الكتاب والسنة، وطلب الحق في مصادر أخرى غيرهما.
أما الغزالي فقد اعتبر أن العقل محدود واستخدامه مشروط بالقرآن والشرع، وأن الفكر هو استخدام العقل، للوصول إلى المعرفة، لكن هذه المعرفة تكون مذمومة إذا تعارضت مع الشرع، ودور العقل هو أن يهدي إلى صدق النبي وفهم سنته، وما عدا ذلك يجب تنحيته جانباً ولزوم الاتباع، لأن العقل قاصر.
ويرى الغزالي أن العلم هو معرفة القديم، وبما لا يتعارض معه، بل يكمله.
وهذه الآراء في نظر أدونيس أصبحت «نصاً ثانياً حل محل النص الأول، نص الوحي، بحيث يتعذّر اليوم أن نتجاوزه، لكي نقرأ قراءتنا الخاصة، ونكتب نصنا الحديث، بدءاً من النص الأول».
ولا يكتفي أدونيس بتحديد الثابت والمتحول في التراث العربي الإسلامي القديم، بل ينتقل إلى عصر النهضة العربي، ليدرس استمرار هذه المسألة عند كل من محمد بن عبدالوهاب، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وعبدالرحمن الكواكبي.
وفي رأيه فإن آراء ابن عبدالوهاب ليست سوى استعادة ما قاله الفقه الإسلامي القديم بشروحه وتفاسيره، وأن ما فعله لا يعدو كونه تبويب أو تصنيف هذا القديم، وأن عرض ابن عبدالوهاب للتوحيد، الذي يُمثل الفكرة المركزية لديه، أظهر أنه يُقلل شأن الإنسان في هذا العالم.
أما الإمام محمد عبده فهو، في نظر أدونيس، صاحب رؤية إسلامية متجدّدة وتوفيقية.
ويتجلى التجدّد بوجه عام في أنه يستند إلى القرآن، مُفسّراً بمقتضى حالة العصر، وبوجه خاص في نفي محمد عبده أن تكون في الإسلام سلطة دينية، وأن الحاكم في المجتمع الإسلامي هو حاكم مدني من جميع الوجوه، إذ إن الأمة هي التي تقوم بتنصيبه، وهي صاحبة الحق في السيطرة عليه، وإذا تعارض العقل مع النقل أخذ بما يدل عليه العقل.
تظهر التوفيقية في تأكيد الإمام أن مدنية السلطة في الإسلام لا تتنافى مع وجود الشرع، وفي رؤيته التفسيرية التي تقوم على نقد الجاهلية السائدة اليوم في فهم الدين، وتفسيره القرآن بما يلائم ارتقاء المجتمع، أي التوفيق بين الوحي والتاريخ، بهدف السيطرة على التقدّم المادي وتوجيهه لخدمة الإنسان في روحانيته على الأخص.
أما رشيد رضا، فإن خير ما يعبّر عن توجهه، في رأي أدونيس، هو ما وصف به هو نفسه تفسيره للقرآن الكريم، حين قال إن هذا التفسير (سلفي، أثري، مدني، عصري، إرشادي، اجتماعي، سياسي).
من هنا ينطلق رشيد رضا من أن أصل الإسلام وحياً وسنة، ليتفقه في المشكلات المعاصرة، التي ولدتها غالباً مجابهة العالم الإسلامي للغرب.
ولا ينادي «رضا» بتجديد الإسلام، إنما فهم المشكلات في ضوئه، بما هو وكما هو، وبذلك يكون الوصول إلى النهضة أمراً يسيراً، وهو العودة إلى الإسلام الصحيح.
من هنا تكون هذه الرؤية الفقهية امتداداً للسلفية التي أرسى دعائمها الإمام أبوحامد الغزالي، ووضعها ابن تيمية في منظومة محكمة ومغلقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك