أقر البنك المركزي الجزائري شروطاً وتدابير مالية جديدة على مستوردي السلع والبضائع الموجهة للبيع على حالتها (السلع الجاهزة)، والتي جاءت تكملة لإجراءات حكومية سابقة تهدف إلى مكافحة تضخيم فواتير العملة الصعبة وكبح نزيف النقد الأجنبي والحفاظ على الاحتياطات.
هذه الإجراءات الجديدة جاءت في إطار وثيقة لبنك الجزائر وجهها للبنوك والمصارف المعتمدة في البلاد مؤرخة في 19 مايو/ أيار، اطلعت عليها" العربي الجديد"، تتعلق بإجراء تقييم مسبق للقدرة المالية للمستوردين والمتعاملين الاقتصاديين قبل أي عملية توطين بنكي.
وتتبنى الجزائر منذ سنوات سياسة حمائية لضبط التجارة الخارجية وكبح نزيف احتياطات النقد الأجنبي، عبر فرض آليات رقابية على الواردات.
وتتجلى أبرز هذه الإجراءات في تقييد استيراد السلع التي تمتلك البلاد بدائل محلية لها، إلى جانب تطبيق نظام رخص الاستيراد المسبقة، فضلاً عن البرنامج التقديري السنوي للاستيراد.
وتلزم الوثيقة البنوك الوسيطة المعتمدة بإجراء تقييم للقدرة المالية للمتعامل الاقتصادي قبل أي عملية توطين لعمليات استيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على حالتها، على أن تتأكد البنوك الوسيطة، قبل أي عملية توطين، من أن صافي أصول المتعامل الاقتصادي يساوي أو يفوق رأسماله الاجتماعي (رأس المال الاسمي)، وذلك استناداً إلى القوائم المالية للسنة المالية المنقضية والمصرح بها لدى الإدارة الجبائية.
وفي حالة المتعاملين حديثي النشأة، يمكن للبنوك الاعتماد على الميزانية الافتتاحية و/أو وضعية مالية مرحلية مصادق عليها من طرف محافظ حسابات.
وتنص على أن حجم العمليات غير المسددة الخاصة باستيراد السلع الموجهة لإعادة البيع على حالتها، والمودعة لدى مختلف البنوك الوسيطة المعتمدة، يجب ألّا يتجاوز في أي وقت 100% من الأموال الخاصة للمتعامل الاقتصادي.
وتوضح الوثيقة أن عملية الاستيراد تعد مسددة، وفق مفهوم هذه التعليمة (قانون إداري داخلي)، عندما يقوم البنك الوسيط المعتمد بالاقتطاع النهائي من حساب المتعامل الاقتصادي لقيمة العملية.
ويفهم إجمالاً من محتوى هذه التعليمة، أن المستوردين لن يكون في مقدورهم إجراء عمليات الشراء من الخارج إلا إن توفروا على سيولة وأصول مالية كافية، بما يخضع عمليات الاستيراد لرقابة مسبقة على الملاءة المالية قبل أي توطين بنكي.
يرى المحلل المالي والاقتصادي مصطفى زروالي، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن التعليمة الجديدة لبنك الجزائر قد تواجهها تحديات ترتبط بمدى إمكانية قيام نص تنظيمي بإعادة تعريف مفاهيم قانونية متعارف عليها، وعلى رأسها مفهوم القدرة التجارية، مع طرح تساؤلات حول حدود تدخل النصوص التنظيمية في تقييد مبدأ يرسّخه التشريع الأعلى، بما في ذلك النص الدستوري.
ويشير المتحدث إلى أن قانون التجارة لا يشترط لممارسة النشاط التجاري سوى التسجيل النظامي في السجل التجاري، ما يفتح، بحسبه، نقاشاً حول الأساس القانوني لأي شروط إضافية تُفرض على ممارسة النشاط الاقتصادي خارج الإطار التشريعي.
كما يلفت إلى أن بعض الشركات، الشركة ذات المسؤولية المحدودة، والشركة ذات المسؤولية المحدودة والشخص الوحيد، وشركة التضامن، لا يلزمها القانون الجزائري بتعيين محافظ حسابات، ما يطرح تساؤلات حول مدى إلزام البنوك التجارية لهذه المؤسسات بتقديم ميزانيات افتتاحية مصادق عليها.
كما يشير زروالي إلى أن تقييد مفهوم" السلع الموجهة لإعادة البيع على حالتها" يثير تساؤلات حول نطاق تطبيق هذه الإجراءات، وما إذا كان ذلك يشمل أو يستثني قطاعات الخدمات والامتياز التجاري (الفرنشايز)، محذراً من توسع محتمل في التفسير من قبل البنوك للعمليات المرتبطة بعقود التكنولوجيا والامتيازات ذات الطابع الاقتصادي.
ويطرح كذلك إشكالية معيار" القدرة المالية" ومدى الحاجة إلى ضبطه عبر نسب ومؤشرات مالية دقيقة، تفادياً للاكتفاء بمقاربة تربطه برأس المال الاجتماعي فقط، في ظل احتمال وجود اختلالات محاسبية أو خسائر مؤجلة قد لا تعكس الوضع المالي الحقيقي للمؤسسة.
وفي ختام تحليله، يشير الخبير إلى تحديات محتملة تتعلق بإمكانية لجوء بعض المتعاملين إلى أساليب محاسبية تهدف إلى تحسين المؤشرات المالية بشكل ظرفي، عبر إعادة تقييم الأصول أو ضخ أموال مؤقتة قبل سحبها بعد إتمام العمليات البنكية، بما قد يؤثر على دقة التقييمات المعتمدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك