إن مرض السرطان من أكثر أمراض عصرنا الحديث انتشارا، وعلى الرغم من التقدم العلمي المتسارع والتطور اليومي في وسائل التشخيص والعلاج، إلا أن مجرد ذكر اسمه لا يزال يثير في نفس السامع شعوراً عميقاً بالقلق؛ يتراوح بين التردد في إجراء الفحوصات خوفاً من اكتشافه، وبين رهبة من مستقبل يبدو غير واضح المعالم.
تجربة التخصص والواقع المحليوتبقى تجارب الإنسان العملية والإنسانية خير شاهد حين يتعلق الأمر برحلة علاجية طويلة، متعددة المراحل، تعتمد على بروتوكولات عالمية دقيقة في التعامل مع مختلف أنواع السرطانات.
ومن هذا المنطلق، وخلال مسيرتي في التخصص الطبي الذي اخترت أن أكرس له جهدي، وهو تخصص أورام القولون والمستقيم تحديداً، جاء هذا الاختيار انطلاقاً من واقع صحي ملموس، حيث يُعد سرطان القولون والمستقيم من أكثر السرطانات شيوعا على مستوى مملكة البحرين.
أهمية الفحص المبكر والتشخيص الدقيقوقد أتاح لنا هذا المجال فرصة الالتقاء بشخصيات عايشت المرض، سواء على المستوى الشخصي أو من خلال مرافقة ذويهم خلال رحلة العلاج.
وفي هذا السياق، أشار (علي عبد الله فرج) إلى أن من المسؤوليات الأساسية التي تقع على عاتق الأفراد الالتزام بإجراء الفحوصات الدورية بشكل منتظم، والمشاركة الفاعلة في الحملات التوعوية التي تنظمها الجهات المختصة والجمعيات المعنية، بهدف الوقاية من مختلف أنواع السرطانات.
كما شدد على أهمية تكامل الجهود بين العاملين في القطاع الصحي للوصول إلى تشخيص أولي دقيق، قائم على أسس علمية راسخة لا تدع مجالا للشك أو الخطأ، لما لذلك من أثر مباشر على جودة حياة المريض.
فالتشخيص غير الدقيق قد يؤدي إلى تأخر اكتشاف المرض، خصوصا في مراحله المبكرة، مما يترتب عليه لاحقا اللجوء إلى علاجات مكثفة كالعلاج الكيميائي أو الإشعاعي، وهي علاجات مرهقة ومكلفة ولها آثار جانبية متعددة.
في المقابل، فإن الكشف المبكر قد يختصر رحلة العلاج في تدخل جراحي استئصالي بسيط نسبياً، ينتهي معه المرض كما في كثير من العمليات الجراحية الأخرى.
هل طلب رأي طبي ثانٍ يقلل من كفاءة الطبيب؟وعلى صعيد الممارسة الطبية، فإن من الضروري أن يتحلى الأطباء بالمرونة المهنية، وأن يكونوا منفتحين على تبادل الآراء والاستشارات مع زملائهم في ذات التخصص، فذلك لا ينتقص من قدر الطبيب، بل يعكس التزاما بالنهج العلمي السليم، وهو أساس راسخ في الممارسات الطبية عالميا.
أما على مستوى الأسرة، فيقع على عاتق الأهل دور بالغ الأهمية في دعم المريض نفسياً على أن يكون هذا الدعم متزناً، بعيداً عن مشاعر الشفقة المفرطة.
فمن المهم أن يشعر المريض بأن ما يمر به ابتلاء له حكمة، وأنه قادر على تجاوزه بإذن الله، مع ضرورة تجنب تداول المعلومات غير الطبية أو الشائعات، والرجوع دائماً إلى الأطباء والمختصين في كل ما يتعلق بالحالة الصحية.
تجارب إنسانية من واقع المرضوفي هذا الإطار، ذكرت ( إيمان إبراهيم خلفان) من خلال تجربتها الشخصية أن الخوف الشديد الذي قد يبديه أهل المريض، رغم نواياه الصادقة، قد ينقل طاقة سلبية للمريض نفسه، مما يستدعي الحذر في طريقة التعامل والحديث معه بشأن حالته الصحية.
إن رحلة علاج السرطان لا تقتصر على طبيب واحد أو تخصص بعينه، بل هي منظومة متكاملة يشترك فيها أطباء الأورام، وأخصائيو العلاج الإشعاعي، والجراحون عند الحاجة، إلى جانب الأخصائيين النفسيين لتقديم الدعم المعنوي، فضلًا عن أطباء الجلدية والجهاز الهضمي وغيرهم من التخصصات، خصوصاً في حال ظهور مضاعفات أو آثار جانبية ناتجة عن المرض أو عن العلاجات المستخدمة.
بين الدعم النفسي والمعلومة الخاطئةكما يمكن الاستعانة ببعض الوسائل الداعمة، مثل الجلسات النقاشية التي تجمع مرضى خاضوا التجربة نفسها، لما لها من أثر إيجابي في تعزيز الدعم النفسي وتبادل الخبرات.
ومع ذلك، يجب التأكيد على ضرورة عدم اعتماد هذه التجارب كمصدر طبي للمعلومات، إذ يبقى الرأي الطبي المختص هو المرجع الأساسي والموثوق.
تكلفة العلاج… ومسؤوليتنا المجتمعيةولا يخفى أن علاجات السرطان، من العلاج الكيميائي والإشعاعي إلى العلاجات الهرمونية والموجهة، تُعد باهظة التكلفة، فضلًا عن تأثيرها على جودة حياة المريض وما قد تسببه من آثار جانبية متفاوتة.
ومن هنا، لا تقف تبعات المرض عند حدود المريض وحده، بل تمتد لتشمل الأسرة والمجتمع والمنظومة الصحية بأكملها، مما يجعل من دعم المرضى وتعزيز الوعي الصحي مسؤولية مشتركة لا يمكن إغفالها.
إن الوقوف صفاً واحداً إلى جانب هؤلاء الأبطال الذين يخوضون معركتهم بشجاعة، وتقديم الدعم الكامل والمستدام لهم، إلى جانب الالتفات الجاد للحملات التوعوية، ليس خياراً بل ضرورة… فدائماً ما تبقى الوقاية خيراً من العلاج.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك