بين صناعة الرمز وصناعة التاريخ، يبرز فعل إبداعي يفتح أفقا جديدا في التجربة الصحافية، نجحت فيه صحيفة “البلاد” البحرينية عبر إصدار عدد خاص بتاريخ 7 مايو 2026 بمناسبة يوم الصحافة البحرينية، استعاد الأسلوب الطباعي والبصري للصحافة في مطلع القرن العشرين.
جاء هذا العدد متقمصا هيئة الجرائد القديمة، مستعيدا أسلوب الطباعة التقليدي الذي كانت تنتجه الماكينات الميكانيكية في بدايات الصحافة.
كان هذا العدد تحفة “ريتروية” من حيث الخطوط، وتوزيع الأعمدة، والطابع العام للصفحات، ليحاكي مرحلة كانت فيها الصناعة الصحافية محدودة الإمكانات الميكانيكية؛ فبدت آنذاك بسيطة ومقيدة بقدرات الطباعة.
غير أن هذا “الضعف التقني” الذي كان يُنظر إليه سابقا كقصور، أصبح اليوم قيمة جمالية مضافة، تُستدعى بوصفها “أصالة” و “ذاكرة بصرية”؛ ما منح هذا الإصدار طابعا مميزا ومطلوبا.
إن التوسع التقني المعاصر، وقدرته على إنتاج الواقع بصور متخيلة وشديدة الكثافة الرقمية، ساهم في خلق عالم افتراضي متسارع، جعل التجربة الإنسانية أكثر بعدا عن الواقع الملموس، وأضعف الإحساس بالتفاصيل الحسية التي كانت ترافق الإعلام التقليدي.
وهنا يظهر “الريترو” ليس كحركة شكلية أو عودة عابرة إلى الماضي، بل كثقافة معاصرة نشأت كردة فعل على الملل من الواقع الافتراضي، وعلى حالة اغتراب متزايدة بين الأجيال.
وفي هذا السياق، يُكتسب بعد ثقافي أوسع حين ننظر إلى تطور المؤسسات الدولية المعنية بالتراث، حيث بادرت منظمة “UNESCO” في العام 1978 إلى استحداث قائمة التراث العالمي، وهي برنامج دولي يهدف إلى حماية وحفظ المعالم والمواقع الطبيعية والثقافية ذات القيمة الاستثنائية للبشرية.
وقد جاء هذا التوجه استجابة لوعي عالمي متزايد بأن الحداثة قد تستهلك التراث، وتُضعف معه الكثير من القيم الجمالية الحسية والملموسة.
من هنا، يمكن فهم عدد “ريترو البلاد” باعتباره امتدادا بصريا لهذا الوعي الثقافي؛ إذ يعيد استحضار أسلوب التصميم والإخراج الصحافي القديم، ويوفر عبر الجماليات الرجعية مادة تخيلية تمكن الجيل الحالي من إعادة تصور مشاهدات الجيل السابق ومألوفاته اليومية.
ولا يمكن النظر إلى هذا العدد باعتباره إصدارا عاديا، بل هو بمثابة عنصر تحفي مميز (Collector’s item)، يحمل قيمة رمزية خاصة تعكس تراث الصحافة البحرينية، ويكتسب مكانة مميزة لدى هواة الاقتناء بوصفه تجسيدا حيا لإحياء هذا التراث الصحافي والحفاظ عليه.
وبذلك، لا يكون هذا الإصدار مجرد تجربة تصميمية، بل مشروع بصري يحمل رؤية ثقافية واضحة، خصوصا في سياق يوم الصحافة البحرينية، حيث يسعى هذا العدد إلى ملامسة الذاكرة الصحافية وإعادة إحيائها داخل الحاضر عبر لغة بصرية تستدعي الماضي دون أن تنفصل عن أسئلة العصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك