عمان – يتقاطع تطور الملف البيئي في الأردن مع سياق وطني أوسع يرتبط بعيد الاستقلال الثمانين، حيث يُعاد تقديم مفهوم الإنجاز الوطني بوصفه قدرة على تعزيز الاستدامة وحماية الموارد الطبيعية، إلى جانب المؤشرات الاقتصادية التقليدية.
اضافة اعلانويبرز هذا التوجه ضمن خطاب رسمي يربط بين قوة الدولة الحديثة وقدرتها على إدارة مواردها بكفاءة، بما ينسجم مع شعار الدولة في هذه المرحلة: " راية العز وفخر الإنجاز"، الذي يعكس انتقالا في تعريف الإنجاز ليشمل جودة الحياة والاستدامة البيئية.
ويأتي هذا المسار في إطار رؤية التحديث الشامل التي يقودها جلالة الملك عبد الله الثاني، والذي يؤكد في خطاباته أن التحديث الحقيقي لا يقتصر على الاقتصاد والإدارة، بل يشمل بناء نموذج تنموي قادر على الصمود أمام التحديات العالمية، وفي مقدمتها التغير المناخي.
ويشدد جلالته في أكثر من مناسبة، منها مشاركته في قمة المناخ" كوب 28"، على أن التغير المناخي لم يعد تهديدا بيئيا فحسب، بل تحديا يمس الأمن الغذائي والمائي والاقتصادي، ويتطلب استجابة دولية عادلة تدعم الدول الأكثر عرضة للمخاطر المناخية وتمكّنها من أدوات التكيف والتمويل.
وعلى المستوى الوطني، تتجه السياسات البيئية نحو تشديد أدوات الرقابة وتوسيع نطاق الالتزام بالتشريعات، خصوصا فيما يتعلق بالتلوث الصناعي وجودة الهواء والانبعاثات.
ويعكس هذا التحول انتقالا من نهج المعالجة إلى نهج الوقاية، حيث يُربط النشاط الاقتصادي بمعايير بيئية أكثر صرامة، بما يحد من الأثر التراكمي للتلوث في المناطق الحضرية والصناعية، ويعيد ضبط العلاقة بين النمو الاقتصادي وكلفة الاستنزاف البيئي.
التوجه نحو الاقتصاد الدائريوفي هذا السياق، تبرز إدارة النفايات الصلبة كأحد أبرز محاور التحول البيئي، مع تسارع التوجه نحو الاقتصاد الدائري عبر تقليل الاعتماد على الطمر الصحي، وتوسيع الفرز من المصدر، وإعادة التدوير، إضافة إلى مشاريع تحويل النفايات إلى طاقة.
ويعكس هذا التحول إعادة تعريف لطبيعة الموارد، بحيث لم تعد النفايات عبئا بيئيا فحسب، بل مدخلا اقتصاديا يمكن إدماجه في دورة الإنتاج، بما ينسجم مع توجهات كفاءة استخدام الموارد وتقليل الهدر، وخلق قيمة مضافة من أنظمة كانت تُعامل سابقا كتكلفة صافية.
ويؤكد وزير البيئة الدكتور أيمن سليمان في تصريحات سابقة أن التحدي البيئي في الأردن لا يرتبط بندرة الموارد فقط، بل بكفاءة الإدارة وأنماط الاستهلاك، مشيرا إلى أن الاستدامة تتطلب تغييرا في السلوك العام إلى جانب تطوير السياسات، وأن الحلول التقنية وحدها لا تكفي ما لم تترافق مع إصلاحات في إدارة الموارد وتعزيز الوعي المجتمعي.
ويعكس هذا الطرح انتقال النقاش من البعد الفني للبيئة إلى البعد السلوكي والمؤسسي في إدارة الموارد، حيث تصبح الثقافة العامة جزءا من معادلة الاستدامة وليست مجرد نتيجة لها.
وفي ملف التنوع الحيوي، تتزايد الضغوط الناتجة عن التوسع العمراني وتغير استخدامات الأراضي، إلى جانب تأثيرات التغير المناخي على النظم البيئية الهشة.
وقد دفع ذلك إلى توسيع برامج حماية المحميات الطبيعية، وتعزيز إعادة التأهيل البيئي، وتشديد الرقابة على التعديات في المناطق الحرجية، في محاولة لوقف تراجع الغطاء النباتي والحفاظ على التوازن البيئي في مناطق متعددة، خصوصا تلك التي تشكل خزانات طبيعية للتنوع الحيوي.
أما ملف التلوث الهوائي، فيبقى من أكثر الملفات ارتباطا بالصحة العامة في المدن الكبرى والمناطق الصناعية، حيث تتجه السياسات إلى تحديث معايير الانبعاثات وتكثيف الرقابة البيئية وربط الالتزام بآليات تنفيذ أكثر صرامة.
ويأتي ذلك ضمن مقاربة تستهدف تحسين جودة الهواء وتقليل المخاطر الصحية الناتجة عن التلوث المزمن، خصوصا في مناطق النشاط الصناعي الكثيف التي تشهد تداخلا بين الانبعاثات الصناعية والكثافة المرورية.
ويتزامن ذلك مع توسع واضح في تبني الاقتصاد الأخضر كأحد محاور رؤية التحديث الاقتصادي، من خلال تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والتقنيات النظيفة وإعادة التدوير.
ويُنظر إلى هذا المسار باعتباره انتقالا من نموذج اقتصادي تقليدي عالي الاستهلاك للموارد إلى نموذج أكثر كفاءة وقدرة على التكيف مع التحولات العالمية في أسواق الطاقة والمناخ، بما ينعكس على تنافسية الاقتصاد الوطني وقدرته على تقليل الكلف طويلة المدى المرتبطة بالتدهور البيئي.
وفي موازاة ذلك، تتزايد أهمية البعد المؤسسي في تنفيذ السياسات البيئية، إذ لا يقتصر التحدي على صياغة التشريعات أو الخطط، بل يمتد إلى مدى القدرة على التطبيق الفعلي على الأرض، ودرجة التنسيق بين المؤسسات المختلفة، وقدرة القطاع الخاص على الالتزام بالمعايير البيئية دون التأثير على استمرارية النشاط الاقتصادي.
ويمثل هذا البعد التنفيذي أحد المفاصل الأساسية في نجاح التحول البيئي، خاصة في ظل توسع القطاعات الإنتاجية والخدمية.
ويعكس هذا التحول في مجمله حالة إعادة تموضع للبيئة داخل منظومة الدولة، بحيث لم تعد ملفا موازيا أو قطاعيا، بل جزءا من بنية القرار التنموي.
ومع اقتراب كل محطة وطنية، بما فيها عيد الاستقلال الثمانين، يزداد حضور هذا المفهوم الذي يربط بين الاستقلال والقدرة على إدارة الموارد، وبين التنمية والاستدامة، في صياغة جديدة لمعنى الإنجاز الوطني الذي لم يعد يُقاس فقط بمعدلات النمو، بل بقدرة الدولة على الاستمرار في مواجهة التحديات المستقبلية دون استنزاف مواردها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك