لندن ـ «القدس العربي»: خلصت دراسة علمية حديثة الى إطلاق تحذير غير مسبوق مفاده أن العديد من المدن الكبرى والتجمعات البشرية على كوكب الأرض أصبحت مهددة بالغرق، وهو ما يعني أن ملايين البشر من سكان هذه المناطق باتوا يواجهون مخاطر حقيقية يتوجب الالتفات لها.
وبحسب الدراسة العلمية التي نشرتها العديد من وسائل الإعلام الغربية، واطلعت «القدس العربي» على نتائجها، فإن العلماء وجدوا أن هبوط الأرض يُضاعف معدل ارتفاع مستوى سطح البحر في بعض المناطق الساحلية.
وحذر الخبراء القائمون على الدراسة، وهم من جامعة ميونخ التقنية في ألمانيا، من أن المدن الغارقة على الأرض تنزلق نحو مستوى سطح البحر بمعدل ينذر بالخطر.
ويقول الباحثون إن ما يزيد الأمر سوءاً هو أن هذا يؤثر على أكبر المدن وأكثرها كثافة سكانية أكثر من أي مكان آخر.
وبين ارتفاع منسوب مياه البحر وهبوط الأرض، تشهد المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية ارتفاعاً نسبياً في مستوى سطح البحر يبلغ حوالي ستة ملليمترات سنويًا في المتوسط.
وهذا يزيد ثلاثة أضعاف عن المتوسط العالمي لارتفاع مستوى سطح البحر النسبي، والذي يبلغ 2.
1 ملليمتر سنوياً.
وبالمثل، يُضاعف هبوط الأرض تقريباً الارتفاع المطلق لمستوى سطح البحر البالغ 3.
15 مليمتر سنوياً، والذي يقيس الزيادة الفعلية في حجم المحيط وارتفاعه.
ويقول الدكتور يوليوس أولسمان، الباحث الرئيسي من جامعة ميونخ التقنية، إن هذا قد «يُضخّم بشكل كبير آثار ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تغير المناخ».
ومع ازدياد حرارة المناخ، يؤدي ذوبان الأنهار الجليدية وتمدد المياه الدافئة تدريجياً إلى ارتفاع مستوى محيطات العالم.
ومع ذلك، يحذر الدكتور أولسمان وزملاؤه من أن سطح البحر لا يُظهر سوى نصف الحقيقة، حيث يقول الدكتور أولسمان: «إذا أردنا فهم ارتفاع مستوى سطح البحر على طول السواحل والاستجابة له بفعالية، فلا بد لنا من مراقبة ليس فقط المحيط، بل الأرض نفسها أيضاً».
ويعود ذلك إلى تضافر عوامل النشاط البشري والقوى الطبيعية في غمر بعض أكبر مدن العالم في المحيط.
وتُعدّ عمليات استخراج المياه الجوفية والنفط المفرطة من أبرز العوامل المُسببة لهذا الهبوط، إذ تُستنزف الموارد الجوفية التي كانت تُساهم في استقرار سطح الأرض.
ويُشير الدكتور أولسمان إلى أن «الوزن الهائل للمدن» يُساهم أيضاً في غمر المناطق الحضرية تحت مستوى سطح البحر.
فمع ازدياد حجم المدن وارتفاع ناطحات السحاب، تُشيّد مبانٍ أثقل وزناً، مما يُؤدي إلى ضغط التربة تحتها وهبوط المدينة تدريجياً مقارنةً بمحيطها.
وبالإضافة إلى ارتفاع مستوى سطح البحر الناتج عن تغير المناخ، تشهد المناطق الحضرية ارتفاعاً في مستوى سطح البحر بوتيرة أسرع بكثير من بقية أنحاء العالم.
وتشمل الدول التي تشهد أسرع ارتفاع نسبي في مستوى سطح البحر: تايلاند، وبنغلاديش، ونيجيريا، ومصر، والصين، وإندونيسيا، حيث يرتفع مستوى سطح البحر فيها من 7 إلى 10 ملليمترات سنوياً.
كما تشهد الولايات المتحدة وهولندا وإيطاليا ارتفاعات سريعة استثنائية، حيث يرتفع مستوى سطح البحر فيها بنحو 4 إلى 5 ملليمترات سنوياً.
وبسبب التأثير الكبير لحجم المدن، شهدت العديد من الدول مناطق هبوط أرضي حادة.
ويُعدّ سكان جاكرتا، عاصمة إندونيسيا، البالغ عددهم 42 مليون نسمة، وهي المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في العالم، الأكثر عرضةً للخطر، إذ تغرق المدينة العملاقة باتجاه المحيط بمعدل 13.
7 مليمتر سنوياً.
وتليها مباشرةً مدينة تيانجين الصينية، التي يبلغ عدد سكانها 13.
8 مليون نسمة، حيث تشهد هبوطًا أرضيًا بمعدل 13.
5 مليمتر سنوياً.
وبالمثل، تشهد بانكوك ولاغوس والإسكندرية معدلات هبوط أرضي أعلى بكثير من المتوسط، حيث تبلغ 8.
5 و6.
7 و4 مليمترات سنويًا على التوالي.
وحتى داخل المدن نفسها، فإن اختلاف معدلات الهبوط الأرضي يعني أن بعض الأحياء قد تغرق باتجاه المحيط بينما ترتفع أحياء أخرى، ففي جاكرتا، على سبيل المثال، تغرق بعض أجزاء المدينة بمعدل مذهل يبلغ 42 مليمتراً سنوياً، بينما تشهد مناطق أخرى ارتفاعاً.
وهذا يعني أن ملايين الأشخاص في بعض أكبر مدن العالم مُعرّضون لخطر الفيضانات الشديدة.
وحتى لو لم تنخفض منازلهم بالكامل تحت مستوى سطح البحر، فإن كل ملليمتر من ارتفاع مستوى سطح البحر النسبي يزيد من خطر حدوث فيضانات شديدة نتيجة العواصف أو الظواهر الجوية المتطرفة.
ويُثير هذا الأمر قلقاً بالغاً في جاكرتا، حيث يقع حوالي 40 في المئة من المدينة تحت مستوى سطح البحر.
وتشير الدراسات إلى أن ما يقرب من نصف المدينة قد يغمرها الماء ويصبح غير صالح للسكن بحلول عام 2050 إذا استمر ارتفاع مستوى سطح البحر بالمعدل الحالي.
وتُشكّل هذه المناطق الحضرية المكتظة تناقضاً صارخاً مع الدول الاسكندنافية، حيث تعمل العمليات الجيولوجية الطبيعية على رفع اليابسة تدريجياً من البحر.
وخلال العصر الجليدي الأخير، كانت هذه المناطق الشمالية مُثقلة بصفائح جليدية هائلة دفعت اليابسة نحو المحيط، تمامًا كما تفعل المدن الساحلية الكبرى اليوم.
ومع انحسار هذه الصفائح الجليدية، زال هذا الوزن، ولا تزال الكتل الأرضية في طور التعافي والعودة إلى وضعها الطبيعي، وهذا يعني أنه حتى مع ارتفاع منسوب سطح البحر المطلق، فإن منسوب سطح البحر النسبي في فنلندا والسويد ينخفض فعلياً كل عام.
ولسوء الحظ، لا توجد في بقية أنحاء العالم عمليات جيولوجية قادرة على إعادة المدن إلى وضعها الطبيعي بعد غمرها بالمياه.
ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أن التخطيط الحضري السليم يُمكن أن يُبطئ بشكل كبير من معدل الهبوط الأرضي.
ويقول البروفيسور فلوريان سيتز، من جامعة ميونخ التقنية، والمؤلف المشارك في الدراسة: «في العديد من المدن الساحلية الكبرى، يُعد استخراج المياه الجوفية عاملاً رئيسياً في هبوط الأرض.
وهذا يعني أن القرارات السياسية المحلية وقرارات إدارة المياه يُمكن أن تُحدث فرقاً كبيراً».
وفي طوكيو عاصمة اليابان، على سبيل المثال، تجاوزت معدلات الهبوط الأرضي 10 سنتيمترات سنوياً، ووصلت إلى ذروتها عند 24 سنتيمتراً سنوياً في المناطق الأكثر تضرراً.
لكن بفضل التدخل الحكومي وإدخال مصادر مياه جديدة، انخفضت هذه المعدلات بشكل كبير.
ويقول البروفيسور سيتز: «إن تحسين إدارة المياه الجوفية، وتشديد الرقابة على عمليات السحب، أو إعادة تغذية طبقات المياه الجوفية بشكل مُوجّه، من شأنه على الأقل إبطاء معدلات الهبوط الأرضي، وفي بعض الحالات، إيقافها إلى حد كبير».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك