بعد تفكك الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينات القرن الماضي، أصدر عالم السياسة فرانسيس فوكوياما كتابا مهما في ذلك الوقت، اعتبره كثيرون صيحة انتصار للرأسمالية والغرب عموما، كتاب «نهاية التاريخ، والإنسان الأخير».
سجل فيه رأيه الذي يقول إن الصراع الأيديولوجي الكبير انتهى إلى الأبد.
وإن الديمقراطية الليبرالية الغربية ورأسمالية السوق الحر فازتا بالجولة النهائية، ولم يعد هناك منافس جدي على مستوى الأفكار.
وقال بلهجة تاكيد: إن التاريخ بمعناه الهيجلي كتطور جدلي، وصل إلى محطته الأخيرة.
الحدثان الأبرز خلال الفترة الماضية كانا، قمتا الرئيس الصيني شي جين بينج وكلا من الرئيس الأمريكي ترامب والرئيس الروسي بوتين، كل على حدة.
فقد شهدت شاشات العالم ووسائل افعلام والتواصل في كل مكان تحليلات لا حصر لها عن الزيارتين من حيث الاستقبال والفرق بين الرئيس الأمريكي والرئيس الروسي، ونتائج الزيارتين والتوافق في المواقف.
لم يفت ذلك على المحللين السياسيين الأمريكيين ومنهم فوكوياما الذي يبدو أنه راجع نفسه وربما يكون غير رأيه كليا في مسألة نهاية التاريخ.
فقد شرح فوكوياما من وجهة نظره تحولات العلاقة الأمريكية الصينية في هذا المنعطف التاريخي، تحت عنوان انتقاه بعناية للتعبير عن رؤيته: «ما يعرفه شي جين بينج ولا يعرفه ترامب - في رثاء ديمقراطية كانت عظيمة».
فوكوياما منظر أمريكي (ياباني الأصل) يعمل جامعة ستانفورد العريقة بدأ مقاله بعبارة كاشفة: كان من المؤلم والمهين متابعة التغطية الإعلامية لزيارة ترامب الأخيرة إلى بكين، لأنها أظهرت بوضوح تراجع أمريكا كقوة عظمى مقارنة بالصين.
يوضح فوكوياما في رؤيته النقدية أن لقاءات شي جين بينج مع ترامب قدمت صورة مقلقة عن وضع أمريكا على الساحة الدولية، وعكست اختلالا واضحا في موازين القوة، إذ حضر ترامب القمة من موقع ضعف داخلي بفعل التضخم وتراجع الشعبية، ساعيا للحصول على دعم صيني في ملفات معقدة، ليس أهونها حرب إيران.
بينما ظهر شي جين بينج واثق الخطوة يمشي ملكا، بعدما استطاع بحكمته إجبار واشنطن على التراجع في نزالات الحرب التجارية التي أشعلها ترامب بحماقته وغروره، مستفيدا من قوة صادرات الصين وصلابة اقتصادها.
إعلان فوكوياما المتفائل بشأن نهاية التاريخ وصيحته الفرحة بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، سرعان ما واجه تحديا فكريا قويا من صموئيل هنتنجتون، الذي رأى أن نهاية الحرب الباردة ليس نهاية الصراع، بل تحول شكله إلى شيء أعمق وأخطر.
بدلا من صراع الأيديولوجيات، توقع هنتنجتون أن المستقبل سيشهد تصادما بين الحضارات الكبرى نفسها: الغربية، الإسلامية، والكونفوشية الصينية، والسلافية الأرثوذكسية، وغيرها.
كانت هذه الحضارات، في رأيه، تمتلك هويات ثقافية ودينية عميقة لا تذوب بسهولة أمام انتصار النموذج الغربي.
بينما كان فوكوياما يرى وقتها أن العالم يتجه نحو الوحدة تحت راية الليبرالية، كان هنتنجتون يحذر من أن الاختلافات الحضارية ستكون مصدر التوترات الكبرى القادمة، خاصة على خطوط الصدع بين الغرب والإسلام، وبين الغرب والصين.
لم يكن هنتنجتون يتنبأ بحرب عالمية شاملة، لكنه أشار إلى أن الصراعات المستقبلية ستكون أكثر تعقيدا لأنها تلامس جوهر الهوية والانتماء، لا مجرد أنظمة سياسية يمكن استبدالها.
التاريخ أثبت أن رؤية هنتنجتون أقرب إلى الواقع من نبوءة فوكوياما.
فالتاريخ لم ينته، بل عاد بقوة أشد.
الصين لم تنصاع للنموذج الغربي، بل أقامت حضارة حديثة خاصة بها تجمع بين السيطرة السياسية المركزية والطموح التكنولوجي الهائل، لتصبح أكبر تحد حضاري واقتصادي للغرب.
روسيا استجمعت قوتها مستندة إلى هويتها السلافية الأرثوذكسية، رافضة الاندماج في النظام الغربي.
أما إيران فاستطاعت أن تبني نفوذا إقليميا واسعا مستفيدة من الفراغات التي خلفتها السياسات الأمريكية، مؤكدة أن الحضارة الإسلامية لا تزال فاعلا تاريخيا حيا.
صعود قوى حضارية مختلفة يكشف ضعف نظرية فوكوياما الأساسية.
كان فوكوياما يفترض أن الديمقراطية الليبرالية الشكل النهائي للتطور البشري، لكن الواقع أظهر أن الشعوب والحضارات لا ترغب في الذوبان داخل قالب واحد، مهما بدا منتصرا في لحظة زمنية معينة.
الهويات الثقافية والدينية والتاريخية أثبتت أنها أقوى من الحسابات الاقتصادية الباردة.
بل إن فوكوياما نفسه بدأ يدرك هذا التحول.
أصبح ناقدا حادا للسياسة الأمريكية الداخلية والخارجية، مدركا الانقسام الاجتماعي العميق والتراجع النسبي لأمريكا.
وهو يلاحظ اليوم صعود الصين وروسيا ودور إيران باهتمام واضح.
لكنه لا يزال يتمسك بأمل أن الليبرالية ستظل الأفضل في النهاية.
الواقع أن الكل يدرك أن العالم لم يعد يقبل نموذجا واحدا، بل أصبح متعدد الأقطاب، حيث تتنافس حضارات وحكومات مختلفة على رسم ملامح النظام العالمي القادم.
الصين تقدم بديلا عمليا ناجحا، روسيا تؤكد أهمية السيادة والقوة العسكرية، والقوى الإقليمية في الشرق الأوسط وآسيا ترفض أن تكون مجرد متلق سلبي للقيم الغربية.
أخطأ فوكوياما خطأً جسيما حين اعتقد أن تفكك الدول الشيوعية بقيادة الاتحاد السوفيتي يعني نهاية التاريخ.
التاريخ لم ينته بل يتسارع الآن أكثر من أي وقت مضى.
والقوى الحضارية الصاعدة لن تكتفي بالمشاركة في النظام القديم، بل ستطالب بإعادة تشكيله، وربما بقيادته.
العالم القادم سيكون أكثر تنوعا، وأكثر تنافسا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك