بقيت" مُكبريّة" المسجد الحرام، منذ نشأتها في العام الحادي والتسعون للهجرة، إبان حقبة الدولة الأموية، خلال عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز، حتى اليوم رمزاً يرتبط بتاريخ الحرمين الشريفين.
ومنذ ما يزيد عن 1276 عام، لا تزال المُكبريّة، يصدح منها التكبير والتهليل والتسبيح، في مشهد إيماني يلامس وجدان قاصدي بيت الله الحرام، ويعكس من ناحيةٍ أخرى العناية السعودية بكل ما من شأنه أن يتصل الشعائر الدينية.
و" المكبريّة" موقع مخصص داخل المسجد الحرام لرفع الأذان والترديد خلف أئمة المسجد الحرام في التكبير والركوع والسجود والتسليم، والعديد من النداءات المرتبطة بعدد من الشعائر الدينية.
على مر العصور، ارتبط وجودها بنقل صوت الإمام إلى المصلين قبل ظهور التقنيات الصوتية الحديثة، ولا تزال تحتفظ حتى هذا الوقت، بحضورها الروحاني والرمزي، ضمن منظومة الأذان والتكبير في الحرم المكي الشريف.
في سياق متصل، لـ" المكبريّة" دورٌ جليّ خلال المواسم الدينية، لا سيما في أيام الحج والعشر من ذي الحجة، حيث تتعالى منها التكبيرات في أرجاء المسجد الحرام بصوت مهيب يتردد صداه بين جنبات البيت العتيق، في مشهد يجسد وحدة المسلمين واجتماعهم على تعظيم شعائر الله.
وحظيت عبر العقود بمراحل تطوير متواصلة ضمن التوسعات السعودية المتعاقبة للمسجد الحرام، مع الحرص التام على صون قيمتها التاريخية والوجدانية، وربطها بأحدث الأنظمة الصوتية والتقنيات الهندسية التي تضمن إيصال التكبيرات والأذان بجودة عالية إلى ملايين المصلين والزوار.
وتجسد جانباً من الإرث المعماري والوظيفي للمساجد الكبرى في العالم الإسلامي، إذ اقترن وجودها بتنظيم الشعائر ورفع الأذان والتكبيرات قبل العصر التقني، لتتحول مع تطور الوسائل الحديثة إلى رمز يحافظ على حضوره التاريخي والروحاني داخل المسجد الحرام.
كما تواصل الجهات السعودية المعنية بشؤون الحرمين الشريفين جهودها الحثيثة في العناية بمنظومة الصوتيات والأذان والتكبير، بما يعزز الأجواء الإيمانية داخل المسجد الحرام، وذلك ضمن منظومة تشغيلية متكاملة.
ونشأت" المكبرية"، أو ما كان يسمى" دكة المبلغين" في الإسلام كحاجة معمارية وتنظيمية لتبليغ تكبيرات الإمام للمصلين، وقد ظهرت جذورها الأولى في العصر الأموي، وفي عهد الخليفة هارون الرشيد، أُنشئ شكلها المعماري الرسمي" الدكة المرتفعة" في العصر العباسي، وكانت عبارة عن بناء فوق بئر زمزم، وفي عام 240 للهجرة، تم هدمها وبناء أخرى جديدة.
بالانتقال إلى عهد العاهل السعودي الراحل الملك عبد العزيز، شملتها أعمال توسعة الحرم المكي الشريف، وتم إعادة بنائها بشكلها الحالي، حيث أضيف لها جزء كبير من الرخام الأبيض المصقول، والمنقوش بزخارف إسلامية، وجهزت بالمكبرات الصوتية الحديثة، وجرى تأزير أعمدتها بالرخام.
والغرفة الخاصة بالمكبرية، معزولة عن الأصوات الخارجية لعدم التشويش، وتوجد داخلها إضاءة التنبيه باللون الأحمر تتم إضاءتها آلياً، أي قبل موعد الأذان بدقيقة، ليستعد المؤذن لرفع الأذان والوقوف، إضافة لساعتين لمعرفة دخول الوقت.
ويتناوب على العمل في تلك الغرفة، ما يزيد عن 24 مؤذناً في المسجد الحرام، ويتواجدون قبل رفع الأذان بساعة، فيما يخضعون لبرامج تدريبية، من خلال الإدارة العامة لشؤون الأئمة التابعة لرئاسة شؤون الحرمين الشريفين.
وتحتوي غرفة المكبرية في الحرم المكي الشريف، على شاشة لمتابعة الإمام أثناء تأدية الصلاة، يتم الاعتماد عليها في حالة انقطاع صوت الإمام عن المؤذن، وشاشة أخرى معنية بمتابعة الجنائز.
وتخصص وكالة شؤون الأئمة، للكل صلاة مؤذن، وملازم، ومؤذن احتياط، إذ يقوم المؤذن برفع الأذان والإقامة والتبليغ، أي ترديد تكبيرة الإحرام وتكبيرات الركوع والسجود، والتسليمتين بعد الإمام.
ومن مهام عمل الملازم، أن يقوم بالنداء للصلاة على الجنائز، من خلال تواجد المعلومات على شاشة الجنائز داخل غرفة المكبرية، المرتبطة إلكترونياً بوحدة الوفيات" الجنائز"، فيما يكون المؤذن الاحتياط بوضعية جهوزية، للقيام بأعمال المؤذن أو الملازم في الحالات الطارئة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك