وفي ظل المؤشرات المقلقة، تبرز أهمية تفكيك الاختلالات الهيكلية للنظام المالي الحالي، ورسم خارطة طريق واقعية تعتمد التكتلات الإقليمية وتفعيل عناصر النجاة الذاتية للعبور فوق الأزمة.
وسجلت توقعات البنك الدولي للنمو العالمي هبوطا إلى حاجز 2.
6%، ليكون العقد الحالي الأضعف أداء منذ ستينيات القرن الماضي، بالتزامن مع تراجع معدل النمو في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نحو 1.
1%.
وأدت الحرب وإغلاق مضيق هرمز إلى قفزة في أسعار النفط تجاوزت 50%، وتكبدت دول الخليج خسائر في عائدات الطاقة بلغت 15 مليار دولار حتى منتصف مارس/آذار الماضي، بخسارة يومية تُقدر بنحو ملياري دولار.
وتشير التقديرات إلى أن الدول العربية ستتحمل خسائر إجمالية تصل إلى 190 مليار دولار، وسط تحذيرات أممية من فقدان 3.
5 ملايين وظيفة ودفع 4 ملايين عربي إلى عتبة الفقر، فضلا عن مواجهة 45 مليون إنسان إضافي للجوع الحاد عالميا.
ويأتي هذا كله بالتوازي مع تضخم الدين العالمي ليلامس 348 تريليون دولار (ما يعادل 3 أضعاف حجم الاقتصاد العالمي)، وسط فجوة طبقية خانقة يستحوذ فيها أغنى 1% من البشر على 33.
9 تريليون دولار، بينما يملك 3 أفراد عرب فقط 26 مليار دولار، وهو ما يتجاوز ثروة 222 مليون مواطن عربي مجتمعين.
الاختلالات الهيكلية وفخ" الدولار المُكلف"ويوضح الخبير والمحلل الاقتصادي هاشم السيد، أن هذه الاختلالات الهيكلية ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج إخفاقات متتابعة بدأت منذ الحربين العالميتين الأولى والثانية، مرورا بنظام" بريتون وودز" وصدمة نيكسون بسحب الغطاء النقدي عن الدولار، وصولا إلى جائحة كوفيد-19.
ويقول السيد -خلال حديثه لبرنامج" للقصة بقية" - إن هيمنة الدولار أدت إلى إضعاف العملات الوطنية وهشاشة الاقتصادات الناشئة.
كما تسببت الحرب الراهنة في اختناق الموارد الذاهبة للأسواق، لتمتد الأزمة من النفط والغاز إلى قطاع الأسمدة وغاز الهيليوم المغذي لأشباه الموصلات، مما يهدد الدورة الزراعية العالمية ويفجر أزمة غذاء حادة.
من جهته، يرى المستشار الاقتصادي توني ناش، أن عام 2025 كان مرحلة تحويل أزمة التضخم إلى أزمة ديون مؤجلة جراء رفع الفائدة وتشديد الائتمان.
وتواجه المصارف المركزية في الدول النامية (مثل مصر والأردن) ضغوطا هائلة، حسب ناش، حيث تضطر لامتصاص أعباء ديون ضخمة وشراء دولار مكلف جدا لاستيراد بضائع ارتفعت أسعارها أصلا.
وبينما تشهد إيران تضخما عارما يتجاوز 80% في السلع الغذائية وتراجعا لعملتها وتذبذبا في صادرات البتروكيماويات، استفادت شركات النفط الأمريكية في تكساس وساحل الخليج -وفق ناش- لترفع صادراتها إلى 12 مليون برميل يوميا، بجانب الغاز المسال نحو شرق آسيا (اليابان وكوريا وتايوان والصين) الباحثة عن إمدادات مستقرة بعيدا عن مخاطر إيران.
وأحدثت الأزمة تفاوتا في التأثير داخل المنظومة الخليجية، إذ يوضح السيد أن قطر والكويت هما الأكثر تضررا على صعيد المصاريف التشغيلية والموازنات نتيجة توقف منافذهما البحرية باستثناء مضيق هرمز وتضرر منشآتهما، بينما تمتلك السعودية خط (شرق-غرب) المتجه إلى ينبع وموانئ أخرى، وتملك عُمان والإمارات موانئ خارج المضيق.
ورغم الصدمة، حافظت دول الخليج على تصنيفات ائتمانية مستقرة وعالية لدى وكالات" فيتش" و" موديز" بفضل متانة صناديقها السيادية وناتجها المحلي.
بالتوازي مع ذلك، جاءت سياسات الرسوم الجمركية لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (والتي تتراوح بين 10% وتصل إلى 42%) لتعمق اختلالات النظام الدولي، حيث تُعرض 22 مليار دولار من الصادرات العربية غير النفطية للخطر، ويتركز التأثير المباشر على دول المغرب العربي المرتبطة بالاتحاد الأوروبي (تونس بنسبة 72% والمغرب بنسبة 68% من الصادرات)، ودول الخليج التي تستورد الصين 22% من صادراتها النفطية والكيماوية.
خارطة الحلول وإستراتيجيات النجاةوفي مواجهة هذه الهشاشة الاقتصادية والحد من ارتداداتها على الجبهات الاجتماعية والسياسية الداخلية، يقدم الخبراء حزمة إستراتيجيات عملية للنجاة والصمود:

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك