تتجه العلاقة بين بغداد وأربيل نحو مرحلة جديدة من التقارب السياسي، بعد سنوات طويلة من الأزمات المتكررة والخلافات المعقدة المرتبطة بالنفط والرواتب والصلاحيات الإدارية والاتفاقات السياسية، في ظل حراك مكثف تشهده العاصمة العراقية بغداد، لا سيما الزيارة الرسمية التي يجريها رئيس حكومة إقليم كردستان العراق مسرور بارزاني إليها، التي وصفت بأنها واحدة من أكثر الزيارات السياسية أهمية منذ تكليف علي فالح الزيدي تشكيل الحكومة الجديدة.
الزيارة التي امتدت لسلسلة لقاءات موسعة مع قيادات الدولة والقوى السياسية الرئيسة، حملت رسائل متعددة تتجاوز إطار العلاقات التقليدية بين المركز والإقليم، إذ ينظر إليها مراقبون بوصفها محاولة لإعادة ترتيب التوازنات السياسية، وفتح باب التسويات في شأن الملفات العالقة، إلى جانب إعادة تنشيط الاتفاقات السياسية التي تشكلت على أساسها الحكومة الحالية.
وتزامن هذا الحراك مع حديث متصاعد داخل الأوساط السياسية عن قرب حسم الوزارات الشاغرة واستكمال الكابينة الحكومية، فضلاً عن وجود تفاهمات أولية تتعلق بإدارة الموارد النفطية ومستحقات الإقليم المالية، مما يعكس رغبة مشتركة لدى القوى السياسية في تثبيت الاستقرار خلال المرحلة المقبلة، وسط تحديات اقتصادية وإقليمية متزايدة.
وأجرى مسرور بارزاني، منذ وصوله إلى بغداد، سلسلة اجتماعات مع كبار المسؤولين في الدولة وقادة القوى السياسية، في مشهد عكس حجم الاهتمام السياسي بالزيارة وطبيعة الملفات المطروحة على طاولة النقاش.
والتقى بارزاني رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، إذ جرى بحث الملفات العالقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، وسبل تفعيل الاتفاقات السياسية والإدارية وفق الدستور، إلى جانب مناقشة آليات التنسيق المشترك في الملفات الاقتصادية والخدمية.
كما شملت اللقاءات رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ورئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان، ورئيس" ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي، ورئيس حزب" تقدم" محمد الحلبوسي، ورئيس" تحالف الفتح" هادي العامري، ورئيس هيئة" الحشد الشعبي" فالح الفياض، ورئيس" تحالف السيادة" خميس الخنجر، ورئيس" تحالف العزم" مثنى السامرائي، ورئيس" تحالف الأساس" محسن المندلاوي، فضلاً عن شخصيات سياسية أخرى.
ووصف رئيس حكومة الإقليم لقاءاته في بغداد بأنها" إيجابية ومثمرة"، مؤكداً أهمية معالجة المشكلات العالقة بين بغداد وأربيل" بصورة جذرية وعلى أساس الدستور"، مع التشديد على احترام الكيان الاتحادي لإقليم كردستان العراق.
ويرى متابعون أن تعدد اللقاءات مع مختلف القوى السياسية الشيعية والسنية والكردية يشير إلى تحرك أوسع من مجرد مناقشة الملفات الثنائية، بل يتعلق بإعادة بناء تفاهمات سياسية جديدة تتصل بمستقبل الحكومة والتحالفات داخل البرلمان.
تأتي زيارة بارزاني إلى بغداد في توقيت يصفه سياسيون بالحساس، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية التي تواجهها البلاد، والتحديات المرتبطة بإدارة ملف النفط والطاقة، إضافة إلى الحاجة إلى تأمين توافق سياسي مستقر يدعم الحكومة الجديدة ويمنحها مساحة أوسع لتنفيذ برنامجها.
النائب عن" الإطار التنسيقي" للقوى الشيعية مختار الموسوي أكد أن الزيارة تمثل" خطوة مهمة باتجاه تعزيز التفاهمات"، لافتاً إلى أن" المرحلة الحالية تتطلب حلولاً توافقية للملفات المعقدة بين بغداد وأربيل".
وقال الموسوي إن اللقاءات التي جرت خلال الزيارة أسهمت في" تحقيق تقدم ملاحظ على مستوى تقريب وجهات النظر"، خصوصاً في ما يتعلق بإدارة الموارد النفطية وتوزيع الإيرادات المالية ومعالجة الالتزامات المتبادلة بين الحكومة الاتحادية والإقليم.
وأضاف أن هناك" إرادة سياسية مشتركة" لدفع العلاقة نحو مسار أكثر استقراراً، بما ينسجم مع متطلبات المرحلة المقبلة، ودعم الحكومة الجديدة برئاسة علي الزيدي في تنفيذ برنامجها الاقتصادي والخدمي.
وأشار إلى أن ملفات النفط ورواتب موظفي الإقليم والمستحقات المالية كانت من أبرز محاور النقاش، مع وجود" مؤشرات على إمكان التوصل إلى تفاهمات عملية خلال الفترة المقبلة".
ويرى مراقبون أن حديث قوى" الإطار التنسيقي" بهذا الوضوح عن وجود تقدم في المحادثات يعكس رغبة سياسية في تخفيف التوتر المزمن بين المركز والإقليم، خصوصاً بعد سنوات شهدت خلافات حادة في شأن تصدير النفط والموازنة الاتحادية.
الوزارات الشاغرة تعود للواجهةوفي موازاة النقاشات المتعلقة بالملفات المالية والنفطية، عاد ملف الوزارات الشاغرة لواجهة المشهد السياسي، وسط معلومات عن وجود اتفاقات أولية لحسمها بعد عطلة عيد الأضحى.
وأكد النائب عن تحالف" عزم" إياد الجبوري أن الاجتماع الذي جمع رئيس حكومة الإقليم برئيس التحالف مثنى السامرائي اتسم بـ" الإيجابية الكبيرة"، موضحاً أن المرحلة المقبلة ستشهد" متغيرات في المشهد السياسي" نتيجة التركيز على إعادة تنظيم العملية السياسية وبناء تفاهمات جديدة.
وكشف الجبوري عن اتفاق لعقد جلسة برلمانية، بعد انتهاء عطلة العيد للتصويت على حسم الحقائب الوزارية الشاغرة واستكمال التشكيلة الحكومية.
وينظر إلى هذا الملف على أنه أحد الاختبارات المهمة لمدى تماسك التحالفات السياسية الحالية، خصوصاً أن بعض الوزارات لا تزال موضع خلاف بين القوى السياسية منذ تشكيل الحكومة.
ويرى محللون أن نجاح القوى السياسية في حسم الوزارات المتبقية سيعزز من استقرار الحكومة، بينما قد يؤدي استمرار التأجيل إلى فتح باب خلافات جديدة داخل التحالفات الحاكمة.
النائب السابق عن الحزب الديمقراطي الكردستاني محما خليل وصف زيارة مسرور بارزاني بأنها" مهمة وتاريخية"، مؤكداً أنها تهدف إلى" تعميق الشراكة الوطنية الحقيقية وصناعة الاستقرار السياسي وترسيخ مبدأ المشاركة والتوازن داخل مؤسسات الدولة العراقية".
وقال خليل إن" الحكومة الاتحادية الجديدة مطالبة بترجمة التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية تجاه العلاقة مع إقليم كردستان، خصوصاً أن الإقليم أعلن دعمه للحكومة الجديدة منذ تشكيلها".
وأضاف أن رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني" أكد دعم الحكومة ومنحها الإسناد السياسي اللازم داخلياً وخارجياً"، في إشارة إلى استمرار التنسيق السياسي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والقوى المشاركة في الحكومة.
وأشار خليل إلى أن بقاء الوفد الكردستاني في بغداد ليومين متتاليين يحمل" دلالات واضحة على وجود برنامج سياسي جاد لإنهاء الملفات العالقة بين بغداد وأربيل وفق الدستور والقانون".
وختم بالقول إن الإقليم يتطلع إلى" تصفير جميع المشكلات والخلافات" خلال المرحلة المقبلة، بما يضمن استقرار العملية السياسية ونجاح الحكومة الجديدة.
بدوره اعتبر محافظ البصرة أسعد العيداني أن الحزب الديمقراطي الكردستاني يمثل" ركيزة أساسية وجوهرية" في العملية السياسية العراقية، مؤكداً أن زيارة بارزاني إلى بغداد" ستضع حجر الأساس لحل جميع الملفات العالقة بين أربيل وبغداد".
وقال العيداني إن لقيادة السياسية للحزب الديمقراطي الكردستاني" دوراً محورياً في تقريب وجهات النظر بين مختلف الأطراف"، مشيراً إلى أن لقاءه مع رئيس حكومة الإقليم تناول" قضايا استراتيجية مهمة".
وتحدث العيداني عن أهمية نقل تجربة الإعمار والتنمية من إقليم كردستان إلى المحافظات العراقية الأخرى، مؤكداً أن الفيدرالية يجب أن تكون" خدمة لجميع العراقيين من دون استثناء".
كما سلط الضوء على أهمية التكامل الاقتصادي بين المحافظات، خصوصاً عبر مشروعي" طريق التنمية" و" ميناء الفاو الكبير"، موضحاً أن العراق يمكن أن يستفيد من موقع إقليم كردستان بوصفه ممراً باتجاه تركيا، في مقابل تصدير المنتجات عبر ميناء" الفاو" إلى الأسواق العالمية.
ويرى مختصون أن هذا الطرح يعكس توجهاً متزايداً داخل الأوساط السياسية، نحو تحويل العلاقة بين بغداد وأربيل من علاقة قائمة على النزاعات المالية والسياسية إلى شراكة اقتصادية وتنموية أوسع.
ويرى مراقبون أن الحراك السياسي الحالي قد يشكل بداية لمرحلة مختلفة في العلاقة بين المركز والإقليم، خصوصاً مع وجود مؤشرات على رغبة متبادلة في تجاوز الأزمات السابقة، والانتقال نحو تفاهمات أكثر استقراراً.
وتشير طبيعة اللقاءات وتعدد الأطراف المشاركة فيها إلى أن الملف لا يقتصر على معالجة الخلافات الثنائية فقط، بل يمتد إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي العراقي بصورة عامة، في ظل سعي القوى السياسية إلى تثبيت تحالفاتها قبل الدخول في الاستحقاقات المقبلة.
كما أن التفاهمات المتعلقة بحسم الوزارات الشاغرة وإعادة تنشيط الاتفاقات السياسية تعكس إدراكاً لدى مختلف الأطراف، بأن استمرار الخلافات قد ينعكس سلباً على الاستقرار الحكومي والاقتصادي.
ومع أن الملفات العالقة بين بغداد وأربيل ما تزال معقدة وتحتاج إلى اتفاقات تنفيذية واضحة، فإن الأجواء السياسية الحالية تبدو أكثر هدوءاً مقارنة بالسنوات الماضية، مما يمنح فرصاً أكبر للتوصل إلى تسويات تدريجية، خصوصاً في ظل حاجة الجميع إلى استقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك