رحلتي بين طب وجراحة الفم والأسنان وإدارة الرعاية الصحيةمنذ أول خطوة في مجال طب الأسنان، كنت أؤمن أن الطب رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة؛ رسالة تبدأ من تخفيف الألم، تقليل الخوف، ومساعدة الإنسان على استعادة ثقته بنفسه وتحسين جودة حياته.
ومع التخرج والدخول إلى واقع سوق العمل الحديث، توسعت نظرتي للرعاية الصحية، ورأيت أثرًا لا يقتصر على التعامل المباشر مع المراجع فقط، بل يمتد إلى النظام الكلي وجودة الرعاية، لتعزيز الأمان، وتحسين تجربة المرضى والكوادر الصحية في هذه المنظومة.
لذلك كان توجهي نحو الجودة والأنظمة الصحية امتدادًا طبيعيًا لهذا الإيمان، بهدف المساهمة في تطوير منظومات صحية أكثر كفاءة واستدامة، تصنع أثرًا أوسع على الفرد والمجتمع.
في مسار رحلتي أيضًا وصلتني دائمًا تعليقات من مختلف الأشخاص، من مؤسسين وموظفين وذوي خبرات، حول سبب تغيير مساري من طب الأسنان، وكأن هناك اعتقادًا أن المجالين متناقضان أو مساران مختلفان.
بينما أراهما في الحقيقة مسارين متكاملين لا متعارضين.
ولربما كنت أول خريجة من طب وجراحة الفم والأسنان والتي حصلت على درجة الماجستير في إدارة الرعاية الصحية من الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا (RCSI)، وهو ما جعل التجربة مختلفة نسبيًا في السياق المهني بين زملاء المجال.
وقد التقيت بعدد من القيادات وأصحاب الخبرة، وكان دائمًا يتكرر الطرح بأن عليّ اختيار مسار واحد، وأن الجمع بين الاثنين غير ممكن.
لكن ردي لم يكن رفضًا أو جدالًا، بل كان إدراكًا أن التجارب تختلف، وأن ما يرونه من منظور خبراتهم لا يلزم أن يكون الحقيقة الوحيدة.
اكتفيت حينها بالإنصات والمضي قدمًا، إلى أن تراكمت الخبرة وأصبحت قادرة على الدمج بين المجالين بشكل عملي.
وها أنا اليوم، أمارس المسارين معًا، وكل منهما يضيف للآخر بعدًا مختلفًا.
فالممارسة السريرية تمنح فهمًا أعمق للواقع والتحديات اليومية، بينما تمنح الإدارة الصحية أدوات لتحليل الأنظمة وتحسينها.
هذا الدمج ليس سهلًا، وهو مليء بالتحديات والضغط، لكنه في المقابل يمنح رؤية أكثر شمولًا وتأثيرًا.
في العيادة، قد ينسى المراجع تفاصيل العلاج، لكنه لا ينسى كيف تم التعامل معه.
وبالمثل، قد لا يرى المراجع السياسات أو مؤشرات الجودة داخل المؤسسة الصحية، لكنه يشعر بنتيجتها من خلال رعاية أكثر أمانًا، تجربة أفضل، وثقة أكبر بالخدمة المقدمة.
وربما لهذا السبب، أؤمن أن العمل على الأنظمة لا يقل إنسانية عن العمل السريري، لأن بناء نظام صحي أفضل يعني حماية عدد أكبر من الأشخاص قبل وصول الضرر إليهم.
في النهاية، سواء كان الأثر من خلال علاج مباشر أو من خلال تطوير منظومة كاملة، تبقى الرسالة واحدة: الطب رسالة إنسانية، والإدارة الصحية وسيلة لتوسيع أثر هذه الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من الناس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك