على وقع الحرب المستمرة في غزة، كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» في 25 نوفمبر 2025، عن تفاصيل خطة أمريكية – إسرائيلية لبناء مجمعات سكنية في المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل شرق القطاع.
وتستند هذه الخطة إلى مقابلات أجرتها الصحيفة مع 20 مسؤولاً أمريكياً وأوروبياً وإسرائيلياً، وتُقدَّم ظاهرياً كحل إنساني لتوفير «مساكن آمنة» لمئات الآلاف من النازحين.
لكن قراءة متأنية لتفاصيل المشروع، وللتصريحات السابقة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول تحويل غزة إلى «ريفييرا» الشرق الأوسط، تطرح سؤالاً أكثر قتامة: هل نحن بصدد خطة إغاثة أم مخطط ممنهج يدمج بين «الهندسة الديموغرافية» وإعادة إنتاج نظام «الأبارتهايد» (الفصل العنصري) لتفريغ المناطق المأهولة تمهيداً لضم الساحل الغربي لغزة؟وحسب التقرير، تسعى إدارة ترامب إلى إنشاء «مجتمعات آمنة بديلة» في النصف الشرقي من غزة، وهي المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل حالياً.
صُممت لاستيعاب ما بين 20 إلى 25 ألف شخص لكل مجمع، مع مدارس وعيادات طبية، وحاويات سكنية جاهزة.
لكن النقاش حول تفاصيل الخطة يكشف نوايا أقل إنسانية بكثير:*الموقع الاستراتيجي: المجمعات ستكون في منطقة تكاد تكون خالية من السكان أصلاً، بينما يزدحم أكثر من 1.
8 مليون فلسطيني في الجزء الغربي (الساحلي) الذي لا تسمح إسرائيل وأمريكا بإعادة إعماره، بدعوى سيطرة حماس عليه.
*الأسوار والمراقبة: مخطط أولي ناقشه دبلوماسيون في مركز عمليات الجيش الأمريكي أظهر أربع مجموعات من المنازل محاطة بطرق دورية، وأسوار، وكاميرات مراقبة، ومواقع عسكرية.
الشيء الوحيد الذي يُخفف طابعها القاسي هو حلقة داخلية من الأشجار.
هذا الوصف لا يمت بصلة لمخيمات إيواء إنسانية، بل يعكس بناء «غيتوات» معزولة خاضعة للسيطرة الأمنية والعسكرية الكاملة.
لم يكن ترامب ليخفِ طموحاته تجاه غزة.
ففي تصريحات سابقة، تحدث برؤية تجارية عقارية عن إمكانية تحويل قطاع غزة إلى «ريفييرا الشرق الأوسط» بفضل موقعه الساحلي الاستراتيجي المطل على البحر المتوسط.
المشكلة الوحيدة في هذا الحلم التجاري كانت وجود السكان الأصليين (فلسطينيو غزة).
من هنا، تكتسب المجمعات السكنية الجديدة أبعاداً أكثر خطورة؛ فبدلاً من أن تكون حلاً للنازحين، يمكن أن تكون أداة لتجميع السكان في مناطق شرقية نائية وقاحلة بعيدة عن البحر، تمهيداً لـ»تطهير» المنطقة الساحلية الخصبة والأثمن اقتصادياً.
هذا السيناريو يتطابق مع ما يُعرف بـ»نقل السكان الطوعي القسري»؛ حيث تُجعل الحياة في المنطقة الساحلية مستحيلة، عبر الحرمان من الإعمار والخدمات، بينما تُقدَّم المجمعات الشرقية كـ»خيار وحيد» للبقاء على قيد الحياة.
قرائن تدعم فرضية التفريغ والتقسيم الدائم:الفلسطينيون في غزة ليسوا مجرد «ضحايا خطة»، بل هم صانعو مصيرهم، عبر عقود من الصبر والصمود والمقاومة، أي مشروع يتجاهل هذه الإرادة محكوم عليه بالفشل*الخطة تكرس تقسيم غزة إلى «منطقة حمراء» تحت سيطرة حماس محرومة من الإعمار، و»منطقة خضراء» تحت السيطرة الإسرائيلية تُبنى فيها المجمعات.
هذا يعني تحويل غزة إلى أرخبيل من الجيوب المعزولة، تشبه تماماً كانتونات الضفة الغربية، وتكرس نمطاً من الفصل العنصري الجغرافي.
* صرّح المسؤول الأمريكي أرييه لايتستون بأن إعادة الإعمار في مناطق حماس لن تحدث، إلا «بعد إزاحة حماس عن السلطة».
وفي الوقت ذاته، فإن نظام تدقيق الخلفيات الأمنية المقترح لدخول المجمعات، يمنح إسرائيل صلاحية منع أي فلسطيني من التعاون مع حكومة غزة (بمن فيهم الأطباء والمعلمون وموظفو القطاع العام)، ما يعني عزل النخبة المدنية والفنية في «المنطقة الحمراء» المدمرة وتصفيتها معنوياً ومادياً.
*حتى لو تم بناء 10 مجمعات، فلن تستوعب سوى ربع سكان غزة (نحو 250 ألفاً)، أما البقية فمصيرهم التكدس في غزة المدمرة، ما يشير إلى أن الهدف ليس الإغاثة الشاملة، بل فرز فئات محددة وتصفية الساحل تدريجياً.
*طرحُ بعض المسؤولين الإسرائيليين اقتراحات تمنع الفلسطينيين من مغادرة هذه المجمعات ما يدل على أن الرؤية الحقيقية هي إنشاء «سجون مفتوحة خاضعة لإدارة مدنية موالية أو قوة دولية»، لا مدناً سكنية حرة.
وقد حذر دبلوماسيون أوروبيون ومسؤولو الأمم المتحدة من هذه الخطط لكونها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، وجريمة حرب تندرج تحت بند «التهجير القسري»، ولكن، يبقى المحك الحقيقي مرتبطاً بـالموقف الإقليمي والعربي، وتحديداً الموقف المصري؛ فنجاح أو فشل مثل هذه الهندسة الجغرافية يعتمد جوهرياً على مدى صلابة الموقف المصري، في رفض أي ترتيبات أمنية أو ديموغرافية تؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية، أو تغيير طبيعة الحدود والسيطرة على القطاع، دون غطاء أو تساوق إقليمي، ستبقى هذه الخطط حبراً على ورق الفنادق الفاخرة.
يختصر عايد أبو رمضان رئيس غرفة تجارة غزة، المشهد بكلمات قاطعة: «سكان غزة ليسوا مجرد قطع أثاث يمكن نقلها من مكان إلى آخر.
لديهم مشاعر وارتباط ويريدون أن يكونوا أقرب ما يمكن إلى منازلهم المدمرة».
هذه العبارة ليست مجرد رفض سياسي عابر، بل تعكس حمضاً نووياً فلسطينياً يتجاوز الحجر والإسمنت؛ فغزة عبر تاريخها الطويل لم تكن مجرد بقعة جغرافية، بل كانت حاضنة الثورة وميدان التجذر.
من أيام الإسكندر الأكبر إلى الصليبيين، ومن الحملات النابليونية إلى الاحتلال البريطاني، ثم نكبة عام 1948، ظل الغزّي نموذجاً فريداً في الصبر الأسطوري والصمود العنيد.
إنه شعب «يولد من تحت الأنقاض» ويعرف أن كل بيت يُهدم يعني ألف بيت جديد يُبنى بالروح قبل الطوب.
تاريخياً، تحطمت مشاريع كبرى مشابهة لإعادة توطين لاجئي غزة أمام صخرة الصمود الديموغرافي الفلسطيني ومقاومته السلمية والمسلحة.
مشروع «لورانس تسي» في الخمسينيات، ومشاريع «إعادة التوطين» في السبعينيات، وخطط «الترانسفير» في التسعينيات، كلها اصطدمت بحقيقة واحدة صاغها الشهيد القائد صلاح خلف (أبو إياد) يوماً بوعي كادريّ قاطع حين قال:«إن محاولات تصفية الهوية الفلسطينية عبر جغرافيا الشتات، أو المعازل ستبوء بالفشل، لأن الثورة بالنسبة للفلسطيني ليست وظيفة، أو خياراً عابراً، بل هي حتمية بيولوجية وشرط وجودي للبقاء فوق هذه الأرض».
لقد أثبت التاريخ أن الغزّي لا يرحل؛ ليس لأنه لا يجد مكاناً يذهب إليه فقط، بل لأن فكرة «الرحيل» ذاتها تعني بالنسبة له الموت البطيء.
غزة هي آخر معقل للهوية الفلسطينية المتمرسة بعد تهجير يافا وحيفا واللد والرملة، وتفريغها يعني إعلان موت الحلم الفلسطيني كله».
أما اليوم، فيغفل المخططون في غرف فنادق تل أبيب الفاخرة، عن حساب تكلفة السيطرة الأمنية على شعبٍ مزج بين الثورة والمقاومة كجزء من تكوينه البنيوي.
فكل مجمع سكني مقترح، محاط بالأسوار والكاميرات، لن يكون «مجتمعاً آمناً» بل سيتحول إلى ثكنة عسكرية مكشوفة، وكل جندي يحرس بواباته سيكون هدفاً مشروعاً.
والأهم: أن تجربة الاحتلال في الضفة الغربية أثبتت أن الكانتونات والعزل لا ينتجان «سلاماً»، بل ينتجان أجيالاً أكثر ثورة تولد من رحم السجون والمخيمات.
هذا الالتحام بالتراب، والممتد من جيل إلى جيل، يبرهن للاحتلال وللإدارات المتعاقبة أن غزة ليست أرضاً يمكن «تطويرها عقارياً»، بل هي فكرة تقاوم الانقراض، وأهلها ليسوا «أثاثاً يُنقل»، بل جذور ضاربة في عمق التاريخ.
قد يبني ترامب فنادقه على الساحل، لكنه سيظل يسمع دوي الرفض والمقاومة من تحت الأساسات؛ فغزة، كما أثبتت سبعون عاماً، تُهدم كل صباح وتُبنى كل مساء في قلوب سكانها.
ما يجري ليس مجرد خطة إسكان عابرة، بل هو اختبار لمدى قدرة التحالف الأمريكي – الإسرائيلي على فرض تقسيم ديموغرافي وجغرافي جديد عبر ثلاث مراحل متوقعة: أولاً، خنق المنطقة الساحلية خدمياً وإعمارياً لدفع السكان نحو الشرق.
ثانياً، إخلاء وتطهير الشريط الساحلي لغرض المشاريع الاستثمارية والسياحية (ريفييرا ترامب).
ثالثاً، إحكام السيطرة وتحويل المجمعات الشرقية إلى كانتونات معزولة ودائمة.
الفلسطينيون في غزة، ليسوا مجرد «ضحايا خطة»، بل هم صانعو مصيرهم، عبر عقود من الصبر والصمود والمقاومة.
أي مشروع يتجاهل هذه الإرادة محكوم عليه بالفشل.
ربما ينجح المخططون في بناء أول مجمع سكني، وربما ينتقل إليه مئات أو آلاف من اليائسين، فهذا وارد.
لكن التطهير الكامل لغزة الساحلية هو وهم استعماري يتحطم كل مرة على الصخرة نفسها: شعب لا يريد أن يرحل.
غزة ليست مشروعاً عقارياً.
غزة معركة وجود.
وفي معركة الوجود، لا ينتصر من يبني فنادق، بل من يبقى.
السؤال الحاسم: هل سيسمح المجتمع الدولي والقوى الإقليمية بمرور هذا المخطط تحت عباءة «المساعدات الإنسانية»؟ أم أن إرادة التمسك بالأرض ستجعل من «ريفييرا ترامب» مجرد كابوس آخر يضاف إلى مستنقع غزة؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك