تخطت المعركة القضائية بين إيلون ماسك وشركة “أوبن ايه آي” مجرد خصومة بين شريك سابق ومؤسسة تقنية صاعدة، وبدت أقرب إلى انكشاف تاريخي للحظة التي ابتلعت فيها الرأسمالية الوعدَ الأخلاقي للذكاء الاصطناعي؛ فالقضية التي بدأت تحت لافتة “حماية البشرية من تغوّل الآلة”، انتهت إلى مشهد تتصارع فيه إمبراطوريات المال والحوسبة والطاقة والنفوذ السياسي على مستقبل العالم.
وحين تأسست “أوبن ايه آي” قبل أكثر من عقد، جرى تسويقها باعتبارها مشروعا إنسانيا مفتوحا، هدفه منع احتكار الذكاء الاصطناعي من قبل الشركات العملاقة أو الحكومات المتوحشة.
يومها ظهر ماسك في صورة الحارس القلق من انفلات الآلة، بينما قُدّم قادة الشركة بوصفهم رهبانا جددا في معبد المعرفة الرقمية.
لكن السنوات اللاحقة مزّقت تلك العباءة الأخلاقية بهدوء قاسٍ؛ إذ تحوّل المختبر البحثي إلى قلعة استثمارية هائلة تتدفق إليها مليارات ميكروسوفت وصناديق المال في “وول ستريت”، حتى صار الحديث يدور عن واحدة من أعظم موجات التربّح في تاريخ التكنولوجيا الحديثة.
المفارقة الأكثر إثارة أن ماسك نفسه لم يعد يبدو في هذه الحرب فارسا أخلاقيا خالصا، بل طرفا ضمن سباق محموم على احتكار “رأسمالية الحوسبة”؛ فوثائق النزاع المتبادلة بينه وبين سام ألتمان كشفت أن الخلاف الحقيقي لا يدور حول إنقاذ الإنسانية، بقدر ما يدور حول من يملك مفاتيح المستقبل، ومن يسيطر على البنية العصبية للعالم القادم.
سقطت، إذن، اللغة المثالية، وبقيت الحقيقة العارية: الذكاء الاصطناعي لم يعد مشروعا معرفيا، بل صناعة سيادية تُدار بمنطق النفط والسلاح والطاقة النووية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز البعد الجيوسياسي الأكثر خطورة؛ فالإدارات الأمريكية المتعاقبة، خصوصا عودة الخطاب القومي في عهد دونالد ترامب، لم تعد تنظر إلى شركات الذكاء الاصطناعي بوصفها كيانات اقتصادية خاصة فحسب، بل باعتبارها أصولا استراتيجية في الحرب الباردة الجديدة مع الصين.
ولهذا تُمنح هذه الشركات غطاء سياسيا وتنظيميا واسعا؛ لأن واشنطن تدرك أن من يحتكر المعالجة والبيانات والطاقة الحاسوبية، يحتكر النفوذ العالمي ذاته.
لكن، وبينما تتسابق الشركات لبناء مراكز بيانات تلتهم الكهرباء والغاز والمياه، تبدو المؤسسات القانونية والتشريعية متأخرة بصورة فادحة.
القضاء يلاحق الوقائع ببطء، والكونجرس يترنح خلف شركات تنمو أسرع من قدرة الدولة على تنظيمها، فيما يتسع الفراغ التشريعي وتتصاعد مخاوف المجتمعات من سحق الوظائف وتآكل الطبقة الوسطى وتحويل الإنسان إلى مجرد ملحق داخل ماكينة خوارزمية عملاقة.
لهذا؛ فإن قضية ماسك و “أوبن ايه آي” تتجاوز حدود المحاكم والعقود والاستثمارات، إنها لحظة رمزية تعلن انتقال العالم من عصر التكنولوجيا الحالمة إلى عصر النخبوية التقنية، حيث تُستخدم الشعارات الإنسانية بوصفها الجسر الأكثر أمانا لعبور التريليونات، وحيث يصبح الذكاء الاصطناعي ليس أداة لتحرير البشر، بل وسيلة لإعادة توزيع القوة والثروة والسيادة على الكوكب بأسره.
*كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك