في صباح كان يفترض أن تمتلئ فيه البيوت بالتكبيرات وضحكات الأطفال ورائحة كعك العيد، اتجهت مئات العائلات في غزة إلى المقابر، يحملون الورود وصور الأحبة، ويجلسون بجوار القبور كأنهم يواصلون حديثاً انقطع تحت القصف ولم ينتهِ في قلوبهم.
داخل أحد المقابر بمدينة غزة، جلست أم محمد السرسك أمام قبر ابنها الشهيد محمد سعد السرسك، تمسح بيديها على شاهد القبر وتردد بصوت متقطع: «كان كل عيد يوقظني قبل الفجر ويقول لى: يلا يا أمي نروح نصلى العيد، اليوم جيت أزوره بدل ما يعايدني».
تقول السيدة الخمسينية إن ابنها استُشهد قبل أشهر، لكنها حتى الآن لا تستطيع استيعاب فكرة غيابه، مضيفة: «العيد من غيره صار ثقيل.
لا فيه بيت، ولا فرحة، ولا حتى صوت ضحك».
على بُعد خطوات منها جلس أبوكريم الدلو فوق حافة قبر ابنه، صامتاً لفترة طويلة، قبل أن يقول: «إحنا مش جايين نزور مقابر.
إحنا جايين نشوف أولادنا»، ويوضح الرجل الذى فقد اثنين من أبنائه في الحرب الأخيرة أن عيد الأضحى في غزة تحول إلى «موعد للبكاء الجماعي»، بعدما امتلأت المقابر بأسماء جديدة وصور شباب وأطفال.
وفي مقبرة أخرى جنوب القطاع، جلست آمنة أبوشمالة بجوار قبر زوجها الشهيد وهى تحمل قطعة حلوى صغيرة قالت إنها كانت قد اشترتها له قبل الحرب، تضيف والدموع تسبق كلماتها: «كان يحب العيد جداً.
كنت أقول له العيد للأطفال، وكان يرد: كلنا بنصير أطفال في العيد».
المشهد في المقابر بدا مختلفاً هذا العام، أطفال يرتدون ملابس العيد لكنهم يقفون صامتين أمام القبور، نساء يقرأن الفاتحة، ورجال يحدقون طويلاً في أسماء محفورة حديثاً على الرخام الأبيض.
يقول الشاب محمود عادل، الذى جاء لزيارة قبر شقيقه الأصغر: «كل الناس بتروح تعايد بعضها، وإحنا جينا نعاهدهم إننا ما ننساهم»، ويضيف: «حتى صورة العيد تغيّرت.
صار العيد في غزة مرتبطاً بالشهداء».
ورغم الألم، يحاول كثير من الأهالي الحفاظ على بعض الطقوس البسيطة، بعضهم وزع التمر والحلوى على الأطفال داخل المقابر، وآخرون تبادلوا الدعاء وقراءة القرآن، كأنهم يتمسكون بما تبقى من ملامح الحياة.
أم أحمد، التي فقدت زوجها وابنها، قالت وهى تنظر إلى القبور الممتدة: «كنا نزور المقابر بعد صلاة العيد لدقائق، واليوم نقضي العيد كله هنا وغزة كلها صارت بيت عزاء كبير».
ومع استمرار الحرب وما خلّفته من آلاف الضحايا، تحولت المقابر في غزة إلى محطات يومية للوداع والحنين، بينما باتت فرحة العيد مؤجلة في قلوب كثيرين، ينتظرون يوماً يعود فيه العيد بلا شهداء جدد، وبلا قبور إضافية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك