كتب - زياد فرحان المجالي لا يبدو يوم 29 أيار مجرد محطة إضافية في سجل الحرب الإيرانية ـ الأميركية ـ الإسرائيلية ـ اللبنانية، بل لحظة كاشفة لمعركة أعمق من الاشتباك العسكري نفسه: من يملك حق تعريف النصر؟ ففي الظاهر، تقف واشنطن وتل أبيب في خندق واحد ضد إيران، لكن في العمق تكشف الوقائع أن كل طرف يبحث عن نهاية مختلفة، ويخشى من اليوم التالي للحرب أكثر مما يخشى من استمرارها.
المسار الأميركي يميل، وفق ما عكسته التسريبات والتحليلات العبرية، إلى صفقة سريعة أو تفاهم قابل للتسويق مع إيران.
الهدف المباشر ليس إسقاط النظام الإيراني ولا إعادة هندسة المنطقة دفعة واحدة، بل منع الانفجار الكبير: فتح مضيق هرمز، ضبط التخصيب العالي، تهدئة الأسواق، وتفادي حرب استنزاف قد تبتلع الخليج وتربك واشنطن في لحظة دولية حساسة.
إنها مقاربة إدارة مخاطر، لا عقيدة حسم.
أما إسرائيل، فتقرأ المشهد بقلق مختلف.
ففي مقالة نشرتها معاريف، برزت فكرة أن إيران لم تُحسم، وأن حزب الله لم ينهَر، وأن وقف النار إذا جاء قبل صورة نصر واضحة سيُسجَّل كإخفاق استراتيجي جديد.
هذا هو جوهر الهواجس الإسرائيلية: اتفاق يوقف الحرب، لكنه لا يكسر الخصم؛ يفتح هرمز، لكنه يترك إيران قادرة على التعافي؛ ويهدئ الجبهة، لكنه لا يلغي أسباب الانفجار المقبل.
هنا يظهر التباين الحقيقي بين الحليفين.
واشنطن تريد إغلاق الجبهة قبل أن تتسع.
إسرائيل تريد منع إغلاقها قبل أن تنتزع مكسبًا عسكريًا وسياسيًا كافيًا.
أميركا تفكر في النفط والأسواق والصين والممرات البحرية.
إسرائيل تفكر في الحدود الشمالية، وفي حزب الله، وفي البرنامج النووي الإيراني، وفي معنى أن تخرج طهران من الحرب وهي قادرة على القول إنها صمدت.
لذلك يصبح لبنان في هذا اليوم أكثر من ساحة جانبية.
الجنوب اللبناني يتحول إلى أداة ضغط قبل وقف النار.
فالقراءة الإسرائيلية ترى أن الجيش يحتاج إلى أيام إضافية من القتال ضد حزب الله قبل أي تهدئة محتملة، لا لأن الحسم مضمون، بل لأن التوقف الآن قد يرسخ صورة مزدوجة مزعجة لتل أبيب: لا كسر لإيران، ولا انهيار لحزب الله.
ومن هنا تأتي الغارات، وتوسيع الضغط، ومحاولة تحويل النار إلى ورقة تفاوض.
وفي المقابل، لا يبدو حزب الله خارج الحساب.
صحيح أنه تلقى ضربات قاسية، لكن معيار إسرائيل ليس حجم الخسائر وحده، بل القدرة على البقاء.
فإذا بقي الحزب قادرًا على الحركة والرد وإعادة التنظيم، فإن وقف النار سيُقرأ في تل أبيب بوصفه توقفًا قبل اكتمال المهمة، لا نهاية ناجحة للحرب.
أما إيران، فتتحرك بمنطق الصمود السياسي.
هي لا تحتاج إلى إعلان انتصار كبير كي تستفيد من الصفقة.
يكفيها ألا تظهر مهزومة، وأن يبقى نظامها قائمًا، وأن تحتفظ بجزء من أوراقها: هرمز، والنووي، والحلفاء.
بهذا المعنى، قد يكون "عدم الهزيمة” في الحساب الإيراني شكلًا من أشكال الانتصار.
الأخطر في ملف 29 أيار أن الحرب لم تعد عسكرية فقط.
فتقرير واللا عن جناح التأثير داخل الموساد يكشف أن إسرائيل تخوض ضد إيران حربًا نفسية وإعلامية موازية، عبر التسريبات والحملات ومحاولة ضرب صورة النظام من الداخل.
وهذا يعني أن تل أبيب لا تراهن فقط على الطائرات والصواريخ، بل على تفكيك الثقة الداخلية، وتحويل المجتمع الإيراني نفسه إلى ساحة ضغط.
لكن حرب التأثير لا تلغي المعضلة الصلبة.
فإذا اختار ترامب الصفقة، واعتبر فتح هرمز وضبط النووي إنجازًا كافيًا، ستجد إسرائيل نفسها أمام واقع لا يطابق سقفها العسكري.
وإذا ضغطت إسرائيل لإطالة الحرب، فقد تصطدم بحسابات أميركية لا تريد استنزافًا جديدًا في الشرق الأوسط.
خلاصة يوم 29 أيار أن المنطقة تقف بين مشروعين: مشروع أميركي يريد تسوية سريعة قابلة للبيع، ومشروع إسرائيلي يريد نصرًا واضحًا قبل أي تسوية.
وبينهما تقف إيران، تحاول تحويل الصمود إلى مكسب، ولبنان، يدفع ثمن تحسين الشروط بالنار.
في هذا اليوم، لم تكن المعركة على الجبهات وحدها، بل على تعريف النهاية.
هل تنتهي الحرب عندما تفتح الممرات وتستقر الأسواق؟ أم عندما ينكسر الخصم؟ بين هذين السؤالين، يتحول 29 أيار إلى يوم مفصلي في مذكرات الحرب: يوم اكتشفت فيه إسرائيل أن أخطر ما في الحرب ليس أن تطول، بل أن تنتهي قبل أن تمنحها صورة النصر التي تريدها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك