ومع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، بدأت التكنولوجيا تتسلل تدريجيا إلى أكثر التخصصات الطبية حساسية، ليس لاستبدال الأطباء، بل لمنحهم “عينا رقمية” ترى ما قد يصعب على البشر تحليله بسرعة.
وفي هذا الإطار، أعلن معهد موسكو لتقنيات الفيزياء عن تطوير مساعد رقمي ذكي مخصص لأطباء القلب وأخصائيي اضطرابات النظم، يعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحسين تشخيص وعلاج الرجفان الأذيني، أحد أكثر اضطرابات نظم القلب شيوعا وخطورة.
الرجفان الأذيني يحدث عندما تفقد الإشارات الكهربائية داخل القلب انتظامها الطبيعي، فبدل أن تتحرك كموجة منظمة، تتحول إلى دوامات كهربائية عشوائية تؤثر على كفاءة ضخ الدم، وقد تزيد خطر الإصابة بالجلطات والسكتات الدماغية.
وفي العادة، يعتمد الأطباء خلال العمليات على إدخال قثطرات خاصة داخل القلب لقراءة الإشارات الكهربائية الصادرة من الجدار الداخلي، ثم بناء خريطة معقدة توضح مسار انتشار النبضات الكهربائية، ومنها يحدد الطبيب خطة التدخل العلاجي المناسبة.
لكن النظام الجديد الذي طوره علماء الفيزياء الحيوية في المعهد الروسي يحاول نقل هذه العملية إلى مستوى أكثر دقة وتخصيصا.
فبدل الاكتفاء بقراءة الإشارات اللحظية، يقوم المساعد الرقمي بمحاكاة انتشار الإشارات الكهربائية رياضيا داخل قلب كل مريض بشكل منفصل، اعتمادا على خصائصه الفردية، مثل شكل الأذينين ووجود الأنسجة الليفية والتغيرات البنيوية داخل القلب.
ولا يتوقف دور النظام عند التشخيص فقط، بل يمكنه أيضا التنبؤ بما سيحدث بعد التدخل الجراحي، إذ يعرض للطبيب كيف ستتغير موجات الإثارة الكهربائية إذا أجريت عملية معينة، ومدى فعالية هذا التدخل قبل تنفيذه فعليا على المريض.
ويرى الباحثون أن هذه التقنية قد تسهم في تقليل زمن العمليات الجراحية، ورفع دقة العلاج، وتحويل الجراحات القلبية إلى إجراءات أكثر تخصيصا لكل حالة بدل الاعتماد على نماذج علاجية عامة.
وأكد ألكسندر زولوتاريف، نائب مدير معهد الأنظمة السيبرانية الذكية للشؤون العلمية وأحد المشرفين على المشروع، أن الهدف من النظام ليس استبدال الطبيب أو اتخاذ القرار بدلا منه، بل دعم القرار الطبي وتوجيه الانتباه إلى المناطق الحرجة داخل القلب التي تستحق التركيز الأكبر أثناء العملية.
ويعكس هذا التطوير التحول الكبير الذي يشهده القطاع الطبي عالميا، حيث لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتحليل البيانات، بل بدأ يتحول إلى شريك فعلي داخل غرف العمليات، يساعد الأطباء على فهم ما يحدث داخل جسم الإنسان بدقة تتجاوز القدرات التقليدية.
ومع استمرار هذا النوع من الأبحاث، قد يصبح المستقبل الطبي قائما على تعاون غير مسبوق بين الطبيب والعقل الإلكتروني، في معركة معقدة هدفها النهائي إنقاذ القلب… قبل أن يفقد إيقاعه الطبيعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك