تشهد تجارة الرقاق والخبز المجفّف في مصر رواجاً موسمياً واسعاً خلال عيد الأضحى المبارك، نظراً لاعتماد الأسر بصورة أساسيّة على الخبز المجفّف لإعداد طبق الفتة، أشهر أكلات العيد المصرية.
وقبيل العيد، ترتفع معدلات شراء الرقاق والخبز المجفف على نحوٍ ملحوظ، وتشهد أرصفة الشوارع والميادين في المحافظات قفزة مفاجئة لـ" بورصة ظل" لا تفتح أبوابها إلّا أياماً معدودات في السنة؛ لتلبية احتياجات الولائم والعزومات وغيرها من الوجبات التقليدية التي تكثر في المواسم والأعياد.
خلف هذا الطقس الغذائي الذي يتجدّد كل عام، تدور عجلة اقتصادية مؤقتة، بطلها جيش من" الوسطاء الموسميّين" والعمالة المؤقتة، بعد أن تحول" الرقاق" من مجرد سلعة مخبوزة إلى" موسم استرزاق" مكثف، يتسابق فيه الجميع ضد عقارب الساعة، ليصبح بمثابة طوق نجاة لآلاف الأسر التي لا تملك مصدراً ثابتاً للدخل، لالتقاط ربح سريع يعينها على أعباء المعيشة.
في الميادين الكبرى بالإسكندرية شمالي مصر، وفي أزقة الأحياء الشعبية، تتبدل ملامح الأرصفة لتتحول إلى معارض مفتوحة لـ" كراتين الرقاق" وأجولة الخبز المحمص.
الباعة هنا ليسوا أصحاب مخابز، بل هم" صيادو مواسم"؛ عمال تراحيل، وصنايعية متوقفون عن العمل، وبائعو خضار غيّروا نشاطهم مؤقتاً، أو شبان يجمعون مدخراتهم البسيطة للدخول في هذه المقامرة السريعة.
تبدأ الدورة الاقتصادية للرصيف قبل الفجر؛ إذ يتجمع هؤلاء الشبان بعربات خشبية أو" التروسيكلات" (وهي عبارة عن دراجة نارية بصندوق خلفي صغير) أمام الأفران الآلية والسياحية الكبرى التي تفتح خطوط إنتاج استثنائية للرقاق والعيش الملدن (المحمص).
يشترون البضاعة بأسعار الجملة، قبل بيعها للجمهور بأسعار مختلفة، وهنا تبدأ المخاطرة الشفهية التي يحكمها التفاوض لتحديد السعر.
يقف سيد عامر (28 عاماً)، وهو عامل بناء، عند ناصية شارع في حي بحري بالإسكندرية، خلف رصيف طويل رُصّت فوقه كراتين وعبوات جاهزة للبيع، ويقول لـ" العربي الجديد": " عيد الأضحى يُعد من أكثر المواسم التي تشهد إقبالاً متزايداً من الزبائن، الذين يتوافدون بكثافة على الأسواق والمحلّات لشراء الرقاق والخبز الناشف".
ويضيف: " أنا أعمل في المعمار، لكن في مواسم الأعياد يتوقف الشغل تقريباً، فاقترضت ثمن 100 كرتونة رقاق و300 جوال عيش ناشف من أحد أقاربي، وأتيت بها من فرن في أطراف المدينة.
المكسب في الكرتونة قد لا يتجاوز 10 جنيهات، وفي جوال العيش أقل من ذلك، لكن عندما تبيع هذه الكمية خلال يومين، تستطيع أن تشتري ملابس العيد لأولادك".
تحول" التروسيكل" في هذه الأيام إلى" سوبر ماركت" متنقل يجوب ضواحي المدينة؛ فالناس في ذروة انشغالهم بتجهيز المنازل وشراء اللحوم يفضلون البائع الذي يصل بالرقاق حتى عتبة بيوتهم، ما يخلق شبكة توزيع عشوائية لكنها شديدة الفعالية وسريعة الحركة.
على الجانب الآخر من هذه الشبكة، تعيش الأفران والمخابز حالة طوارئ قصوى؛ فالرقاق والعيش الناشف يحتاجان إلى عمالة يدوية ماهرة وخاصة جداً، ولا سيّما" الرقاق الفلاحي" الذي يُفرد بالنشابة الخشبية ويُخبز في أفران طينية أو غازية مفتوحة.
داخل فرن صغير في منطقة كرموز، يبدو الهواء ثقيلاً برطوبة الصيف الساخنة ومحملاً بدخان الدقيق المحروق.
يقف الأسطى عبد الله (45 عاماً) أمام بيت النار، يوجه عماله بلهجة حاسمة، ويقول: " هذا الموسم هو الذي يعوض ركود العام بأكمله.
المخبز السياحي العادي لا يبيع الرقاق طوال السنة، لكننا الآن نعمل 24 ساعة بورديات متواصلة.
نستعين بنساء وشبان من القرى المجاورة للفرز والتعبئة، والكل يبحث عن يومية جيدة في هذا التوقيت بالذات".
ويضيف: " هذا النشاط لا يقتصر على الأفران والمخابز فحسب، بل انضمت إليه بعض الأسر وربات المنازل لإعداده في البيت مع بداية أول عشرة أيام من ذي الحجة، وبيعه خلال أيام عيد الأضحى مصدرَ رزق موسمياً".
تشرح الحسبة الاقتصادية للأفران حجم الطفرة؛ فشيكارة الدقيق الحر (استخراج 72%) التي ارتفع سعرها بصورة جنونيّة، تُحسب تكلفتها بدقة مقابل عدد الكراتين المنتجة.
ورغم غلاء الغاز والخامات، يحاول أصحاب الأفران عدم المبالغة في سعر الجملة للباعة الموسميّين، لأنّ" البيع السريع" هو الضمان الوحيد لعدم تصفية الموسم بخسارة؛ فالرقاق سلعة سريعة الكسر، وإذا انتهت ليلة الوقفة وهي داخل المخازن، تفقد قيمتها بنسبة 80%، بحسب المعلم حسب النبي، صاحب أحد أشهر مخابز وسط الإسكندرية.
تقول الحاجة أميمة، وهي تمسك بلفة رقاق وتتحسّس أطرافها خوفاً من الكسر: " اللحمة البلدي اشتريناها بالغرامات هذا العام بعد أن تجاوزت 500 جنيه، وجئنا هنا لنصطدم بأسعار الرقاق والسمن.
البائعون يستغلون اللحظات الأخيرة ويقولون إنها بورصة دقيق وغاز.
أنا أفاصل لأنّ كل خمسة جنيهات أوفرها تذهب لشراء الطماطم والأرز.
في النهاية سنشتري، فلا يمكن للأطفال أن يستيقظوا يوم العيد دون أن يجدوا صينية الرقاق باللحمة المفرومة على المائدة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك