من نعمة إلى نقمة تحول نهر الفرات اليوم بعد فيضانه غير المعهود، تاركاً كارثة إنسانية حلت بأهالي المدن والقرى المحيطة بمجراه في الأراضي السورية، حيث اجتاحت مياهه البيوت وأغرقت الزرع بعد ارتفاع منسوبه بصورة لم تشهدها البلاد منذ قرابة أربعة عقود، وذلك إثر إعلان تركيا فتح بوابات سدودها الكبرى وتدفق كميات هائلة من المياه عبرها.
وشهدت المناطق المحيطة بالفرات كارثة إنسانية لم تتكشف بعد آثارها للناس إثر فتح أنقرة سد أتاتورك لتصريف الكميات الزائدة من المياه، وسط انتقادات سورية على المستوى الشعبي لعدم التنسيق مع الجانب السوري، فيما الأوساط السياسية والحكومة الانتقالية تتعامل بشكل تقني مع الملف، ولم يصدر عنها أي تعليق أو اتهام للجانب التركي في أعقاب غرق عشرات القرى والبلدات الريفية بدير الزور والمدن الريفية، فضلاً عن آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية والمحاصيل.
ويعزو متخصصون في مجال السدود فتح بوابات المياه بعد 15 عاماً من إغلاقها إلى ذوبان الثلوج وتدفق كميات هائلة من المياه بما قد يسبب أضراراً بهذه السدود، في حين شهدت سوريا وتركيا موسماً مطرياً، مما اضطر أنقرة إلى فتح مفيض سد أتاتورك بما يزيد على 800 متر مكعب في الثانية، وهذا السد الذي يقع في محافظة شانلي أورفا جنوب شرقي تركيا يعد الأكبر على نهر الفرات بسعة تخزينية تبلغ 48 مليار متر مكعب.
وصلت مياه النهر إلى وسط مركز مدينة دير الزور، وبحسب مصادر أهلية فإن الفيضان لم يقتصر على مناطق سرير النهر وحسب، بل امتد ليصل إلى الشارع الرئيس (الكورنيش) في مدينة الدير، وظهر سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي يستخدمون القوارب عوضاً على السيارات وسط ذهول الأهالي.
وزير الطاقة محد البشير، قال إن" نهر الفرات وصل إلى أعلى مستوياته في هذه الفترة، وبعد التواصل مع الجانب التركي أخبرونا أنهم بدأوا تخفيض الكميات المطلقة من تركيا بنحو 1250 متراً مكعباً في الثانية، وهذا التخفيض سنشعر به في دير الزور خلال 48 ساعة حين يبدأ المنسوب بالتراجع، وبعد دراسة فنية من الممكن إغلاق بوابة واحدة من أصل أربع بوابات في المفيض".
في المقابل، ذكر المدير العام لهيئة المياه التركية محمد عاكف بالاتا، في تدوينة له على منصة" إكس"، أنه في وقت سابق" عندما يصل الخزان إلى أقصى مستوى تشغيلي له يتم تصريف المياه الزائدة إلى أسفل مجرى النهر بطريقة محكمة عبر نظام المفيض لضمان سلامة السد".
وكانت أنقرة بدأت بناء سلسلة سدود على طول مجرى الفرات في الأراضي التركية (1176 كيلومتراً) منذ عام 1973، بداية من سد" كيبان" ومن ثم" بغشتاش" و" كركايا" و" أتاتورك" و" قارقاميش"، و" إليسو"، في حين أن أشهر السدود في سوريا (سد الفرات) يهدف لتوليد الطاقة الكهربائية وتنظيم جريان النهر ويقع غربي مدينة الرقة بسعة تصل إلى 14 مليار متر مكعب، ومن السدود المهمة أيضاً سد" البعث" وسد" تشرين".
إزاء ذلك تخرج أصوات سورية معارضة للتقارب مع الحكومة التركية، وتصف ما حدث مع فتح المفيض النهري بعدم الاكتراث واللامبالاة بحياة السوريين، والتي امتدت لانتهاك السيادة السورية، وخرجت أصوات ترى في تصرفات إسطنبول تجاه سوريا كأنها أقرب إلى الوصاية، وتقارن هذه الأصوات ذلك بالعلاقة بين دمشق وموسكو خلال عقد الحرب السورية، إذ تصرفت روسيا الاتحادية وكأن سوريا ولاية روسية جديدة وأنشأت قواعد جوية وبحرية بها.
وعلى رغم العلاقات السياسة الجيدة بين سوريا وتركيا بعد سقوط نظام الأسد في الثامن ديسمبر (كانون الأول) عام 2024 فإن الفريق المعارض للسلطات السورية الجديدة يرى أن هذا التقارب بين البلدين غير متكافئ، ويلفت الباحث في الشؤون السياسية بمدينة دير الزور صفوان عبدالمعطي، إلى ضرورة وضع حدود لهذا الانفتاح بين سوريا وتركيا، وإقرار ضوابط تعتمد على التنسيق والتعاون المشترك.
وأضاف" من المعروف حجم الدور التركي في دعم السوريين والحكومة الحالية، وموقف أنقرة الإيجابي والتاريخي حين قطعت العلاقات مع دمشق في ظل حكم النظام السابق، وقدمت كل الدعم للسوريين، لكن اليوم لا بد من علاقات على سوية واحدة مع سوريا كدولة لها اعتبارها، وليس من منطلق التبعية لها، ويجب أن يظهر ذلك بصورة واضحة".
ويجزم الباحث بانتهاء أزمة الفيضان خلال أيام، لكن الأمر لا يقتصر على انحسار النهر بأضراره المادية الجسمية، بل من الواضح أنه يكشف عن بنية تحتية مدمرة، وتضعضع المرافق الخدمية، علاوة على توقع تفشي الأوبئة والأمراض التي تحدث بعد كل فيضان، مما يزيد القرى والمدن الفراتية التي تأذت بؤساً.
ولفت المحلل الاقتصادي جورج خزام، إلى ضرورة التحرك وتقييم حجم الأضرار الحكومية للجسور والطرق وغيرها، فضلاً عن رسم خريطة لمجرى نهر الفرات وتقسيم أراضي المتضررين لأرقام، مع تفصيل نوع وقيمة الضرر، وتشكيل لجنة تقييم، والإعلان عنها.
وأطلقت الحكومة السورية تحذيراً للسكان من عدم الاقتراب من مجرى النهر، وأفاد مدير الإعلام في وزارة الطاقة عبدالحميد سلات" بتلقي المؤسسة العامة لسد الفرات إشعاراً من الجانب التركي يفيد بزيادة الإطلاقات المائية بسبب امتلاء السدود وارتفاع مخزونها، ووصلت المياه الأراضي السورية خلال أقل من 24 ساعة من تلقي الإشعار".
في غضون ذلك، لا يشيح المتابعون بنظرهم عن الجوانب السياسية لتدفقات النهر، والتي بدأت بالانخفاض مع إطلاق مشروع جنوب شرق الأناضول وما أعقبه من سنوات جفاف قاسية عاشتها المنطقة، فضلاً عن انتقادات لأنقرة حيال تطبيق اتفاقية 1987 لتقاسم المياه بين سوريا وتركيا (تعهدت تركيا توفير معدل سنوي يزيد على 500 متر مكعب في الثانية).
وإذا بدا الفيضان الحالي كارثة طبيعية نتيجة ذوبان الثلوج فوق الجبال التركية وارتفاع منسوب السدود هناك، فإن أهالي المدن الفراتية يربطون ذلك بالسياسة، فالفرات ليس فقط ممراً مائياً يصل بين تركيا والعراق، بل يمتاز بموقع جغرافي يمكن استغلاله في ظل التطورات الأخيرة لحرب المضائق.
تقول ليلى علوش، من أهالي مدينة دير الزور، إن ما كان يدور على حواف النهر ليس من تقلبات الطبيعة، بل من تقلبات السياسة بين مد وجذر، فإذا كانت العلاقة جيدة مع تركيا فإن منسوب النهر يبقى مرتفعاً وتتدفق المياه بغزارة، وبالعكس حين ينخفض المنسوب يمكن قراءة ذلك على أنه فتور أو تردٍ في العلاقة بين الدولتين.
وتعيش محافظتي الرقة ودير الزور التي يمر بهما الفرات أكثر الظروف المعيشية سوءاً، لا سيما بعد أكثر من عام من التحرير وانتهاء حقبة من الصراع أدت إلى دمار هائل في البنية التحية والبيوت السكنية، وهجرة قسرية للسكان، ورافقتها سنة من الجفاف كانت الأقسى من نوعها منذ أكثر من 50 عاماً، وبعد كل هذا الجفاف والدمار لم تكتمل فرحة السوريين بموسم أمطار وفير هذا العام بعدما أغرق الفرات كل أحلامهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك