كيف نتعامل مع حوادث الانتحارمع ولادة الفضاء الرقمي ومواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت المجتمعات مكشوفة، وما كان يحدث في السابق دون ضوضاء ودون إثارة الانتباه، أضحى اليوم مصحوبًا بتفاعلات جماعية، يتم تداوله وإبداء الرأي فيه من قبل الجميع، ويتحول في بعض الأحيان إلى قضايا رأي عام.
حوادث الانتحار تدخل في هذا المجال، فعلى الرغم من أن الانتحار ليس سلوكًا عارضًا في تاريخ البشر، إلا أن عالم الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة بسبب تكنولوجيا الاتصال، قد منحت هذه الحوادث شكلًا مكثّفًا وصل إلى حد قريب من الاعتياد، وأصبحت أخبار الانتحار شيئًا أساسيًا على تلك المواقع.
لكن المشكلة ليست في الإعلان عن حوادث الانتحار وتداول أخبارها، المشكلة الكبرى تتمثل في كيفية تعاطينا مع تلك الحوادث.
قبل فترة وجيزة، وثّقت امرأة في إحدى الدول العربية خلال بث مباشر، وقائع انتحارها بإلقاء نفسها من طابق بأحد الأبنية الشاهقة، نتيجة خلافات أسرية.
مثل هذا الحادث وأشباهه، ينقسم الناس إزاءه غالبا إلى فئتين:فئة يكون كل همها إثبات كفر المنتحر وخلوده في نار جهنم، سواء كان ذلك صادرًا عن قناعة منهم بهذا الحكم، أو كان مرده إلى حرص أصحاب هذا الفئة على ردع الأحياء حتى لا يقعوا في ذلك المحظور.
وفئة أخرى، تبني موقفها على تغليب العاطفة، فتبالغ في التعاطف مع المنتحر والهجوم على البيئة والمجتمع والقوانين، بل يصل الأمر إلى قيامهم بالتبرير لهذه الفعلة وأنها كانت الحل الوحيد لإنهاء المأساة.
والحق دائمًا وسطًا بين طرفين، فأما الفئة الأولى فإنها وقعت في الغلو، وحكمت بما لم تحكم به الشريعة وما أجمعت عليه الأمة، فالمنتحر في الشريعة مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر وهي قتل النفس، ويكفي في ذلك التخويف بما خوّف به الشرع، وأصحاب الفئة الثانية الذين يبالغون في التعاطف مع المنتحر والتبرير له وإضفاء الوجاهة على دوافع الانتحار، بدورهم يرتكبون خطأ جسيمًا بحق الأحياء، فهذا المسلك بمثابة تطبيع مع الانتحار وتهوين من شأن الإقدام عليه، ويفتح الباب على مصراعيه أمام الناس لأن يكون الانتحار حلًا مطروحًا أمامهم للتخلص من الأزمات، خاصة الشباب الذين يعيشون أزمات نفسية واجتماعية واقتصادية طاحنة في هذا العصر.
لن يستفيد المنتحر الذي أفضى إلى ما قدم شيئًا من المبالغة في إظهار التعاطف معه والتبرير له وتقديمه على أنه ضحية للظروف أو أنه اضطر إلى ذلك بعد انقطاع السبل، وفي نفس الوقت المواقف التي يتخذها الناس حيال الحدث يعود أثرها على الأحياء، فلا ينبغي أن نغري شبابنا وبناتنا بهذا التعاطف الأعمى، فتصبح فكرة الانتحار قريبة من أذهانهم.
كثير من الشباب يعانون الخواء الروحي والضعف النفسي، ومع تعرضهم للملاحقة والتكرار بحوادث الانتحار والتبرير للمنتحرين، تبدأ الفكرة تطرح نفسها أمامهم عند مواجهة أزمة أو مشكلة صعبة يطول زمنها أو يصعب حلها أو تكون صادمة مباغتة تفوق قدرتهم على التحمل، فيغدو اللجوء إلى الانتحار هو السبيل الأوحد بظنّهم.
إن أفضل ما نواجه به ظاهرة الانتحار التي تتم غالبا بسبب الخلافات العائلية والإخلال بالحقوق والواجبات، هو التعامل كمجتمع تراحمي لا تعاقدي، مجتمع لا يكون كل همه تحديد الحقوق والواجبات والعمل وفق القوانين والأعراف مثل الآلات، بل يتعامل أفراده بعضهم مع بعض على مبدأ الرحمة والشفقة والتغافل والإيثار وغيرها من القيم التي غيبتها المادية وقسوة الأحوال المعيشية.
إننا بحاجة كذلك إلى ملء الفراغ الروحي الذي نعانيه، ولا يكون ذلك إلا بتقوية الصلة برب العالمين، والتعلق بالدار الآخرة والمصير الأبدي الذي يهوّن على المرء أزماته مهما كانت شدتها وقسوتها، ولعلنا جميعًا قد مررنا بحالات من القرب من الله، غيّرت طريقة استقبالنا وتعاملنا مع الأزمات حتى وإن لم تنهيها، لكنها بالتأكيد تخفف من وقْعها وأثرها على النفس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك