العربي الجديد - واشنطن تعلن وقفاً لإطلاق النار في لبنان مشروطاً بوقف عمليات حزب الله سكاي نيوز عربية - تقرير: ترامب يحدد "الخط الأحمر" للعودة إلى الحرب مع إيران العربي الجديد - صراع باكستان وأفغانستان: ألاف العمال يدفعون الثمن سكاي نيوز عربية - تحلية كل يوم… قرار بسيط بنتائج صحية معقدة قناة الغد - نيكي الياباني يتراجع وسط بيع لأسهم الذكاء الاصطناعي العربية نت - تفاصيل الاتفاق المرحلي بين أميركا وإيران.. 4 مراحل وملف معقد إيلاف - حتى لا تكون حروفك باردة جداً؟ قناه الحدث - تفاصيل الاتفاق المرحلي بين أميركا وإيران.. قسم على 4 مراحل روسيا اليوم - إحصائيات: أكثر من 42 ألف مواطن من أرمينيا وصلوا إلى روسيا بغرض العمل في عام 2026 روسيا اليوم - بعد كشف نشاطها التجسسي على مسؤولين روس.. "كلاودفلير" تتعاون مع هيئات أوكرانية
عامة

يسرا زهران تكتب: الشعوب خط الدفاع الأول في صراعات المستقبل (الحلقة الخامسة)

الوطن
الوطن منذ 3 أيام
2

يأتى الرئيس الفنلندى «ألكسندر ستوب» من دولة عرفت مبكراً قيمة وأهمية التكنولوجيا، وذاقت حلاوتها فى ازدهار اقتصادها. وعرفت مؤخراً أيضاً معنى أن تكتوى بهذه التكنولوجيا، وأن تصبح فى مرمى نيران حروب غير تق...

ملخص مرصد
أكد الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب في كتابه الأخير أن الشعوب أصبحت خط الدفاع الأول في صراعات المستقبل، مشيراً إلى تأثير التكنولوجيا والهجمات الرقمية على الاستقرار العالمي. وأوضح أن الحروب الحديثة تشمل هجمات سيبرانية وعمليات تلاعب بمعلومات الشعوب، مؤكداً أن الوعي الشعبي عامل أساسي لمواجهة هذه التحديات. كما ناقش ستوب أهمية التعاون الدولي لحل النزاعات مثل أوكرانيا وغزة والسودان، ودور الغرب في استعادة ثقة الدول الجنوبية.
  • الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب: الشعوب خط الدفاع الأول في صراعات المستقبل
  • حروب اليوم تشمل هجمات سيبرانية وعمليات تلاعب بمعلومات الشعوب
  • ستوب يدعو إلى التعاون الدولي لحل النزاعات مثل أوكرانيا وغزة والسودان
من: ألكسندر ستوب أين: فنلندا

يأتى الرئيس الفنلندى «ألكسندر ستوب» من دولة عرفت مبكراً قيمة وأهمية التكنولوجيا، وذاقت حلاوتها فى ازدهار اقتصادها.

وعرفت مؤخراً أيضاً معنى أن تكتوى بهذه التكنولوجيا، وأن تصبح فى مرمى نيران حروب غير تقليدية، تتخذ من وسائل الاتصال الحديثة أسلحة لها، تضرب القلوب والعقول عبر الحدود، وتختفى وراء تقنيات معقدة مظلمة، لا تزيد العالم إلا انهياراً.

فنلندا هى الدولة التى قدَّمت للعالم هواتف «نوكيا» الشهيرة التى كانت تحتل جيوب معظم سكان الكرة الأرضية قبل أن تبدأ الهواتف الذكية فى سحب البساط من تحتها.

«نوكيا» الذكية بدورها حوَّلت اهتمامها وتركيزها لتطوير البنية التحتية للاتصالات والخدمات الرقمية فى دول العالم، إدراكاً منها أن مستقبل العالم وسكانه وأعماله وخدماته يتوقف بالكامل على تطوير هذه البنية.

وفى خلال أعوام قليلة من تحوُّل «نوكيا» الهواتف إلى «نوكيا» المطورة للبنية التحتية المعلوماتية والرقمية، صارت الدنيا شبكة هائلة من وسائل الاتصالات الحديثة التى تربط أفراد العالم لحظياً بعضهم ببعض.

أى حدث يجرى فى أى مكان فى العالم يجد صداه فى مشاعر وأفكار أشخاص يجلسون على الطرف الآخر من الخريطة.

لكن الجانب السلبى لهذا الاشتباك أن الحدود الرقمية فى عالم تكنولوجيا اليوم يصعب حمايتها كما تتم حماية الحدود الجغرافية، واختراق عقول الشعوب بمعلومات مضللة وأفكار مزيفة وتخويف بلا أساس، قد أصبح ممارسة يومية تواجهها الدول على اختلاف توجهاتها ونظمها والتحديات التى تواجهها.

«ستوب»: «الميديا» الحديثة تتيح لى كرئيس دولة التواصل مباشرة مع الناخبين فور وقوع الأحداث ومتابعة النقاش العام.

والجانب السلبى أن ما أقوله يتم التلاعب به وتضخيمهشهد «ألكسندر ستوب»، بحكم رئاسته لدولة تقع على الحدود الروسية، ويشوب التوتر علاقاتها مع «موسكو» فى كثير من الأحيان، حروباً تحسمها التطورات التكنولوجية فى ساحات المعارك على الأرض، وتزداد اشتعالاً بهجمات تدور فى الفضاء الرقمى، إما بعمليات تخريب سيبرانية، أو قرصنة معلوماتية مباشرة، أو بحملات من التلاعب بأعصاب الشعوب وأفكارها لدفع الرأى العام نحو تيارات أو أفكار بعينها، تضع بصمتها وتأثيرها على قرارات السياسات الخارجية للدول فيما بعد.

طرح «ستوب» رؤيته لتلك الحروب الحديثة فى كتابه الذى صدر مؤخراً تحت عنوان «مثلث القوة: إعادة التوازن للنظام العالمى الجديد».

فى ذلك الكتاب، تظهر أهمية الدور الذى تلعبه الشعوب فى المرحلة القادمة من الصراعات الدولية.

كيف أصبح الوعى الشعبى عاملاً أساسياً لتأمين دول العالم على اختلافها، فى مواجهة من يستهدفون ضرب أمنها واستقرارها من خلال زعزعة ثقة الشعوب فيها.

المسائل البسيطة تتحول «أونلاين» إلى ساحات معارك داخلية تُصعب على المجتمعات إدارة الحوار أو إيجاد أرضية مشتركة أو التوصل لحلول دائمةيأتى كلام «ألكسندر ستوب» ليعبِّر عن وجهة نظر رئيس دولة تؤمن بالنظام الديمقراطى الذى يحترم الحريات الفردية وحقوق المواطنين الكاملة فى أن يقرر كل واحد منهم ما يعتقده ويقوله ويريده لنفسه، لكنه يضع فى المقابل مسئولية مضاعفة على هذا المواطن لكى يحدد بنفسه لنفسه ما هو صحيح وما هو كاذب فيما يتعرَّض له من معلومات فى عالم اليوم.

يواجه «ستوب» هذه الإشكالية بشكل شبه لحظى فى تعامله مع المواطنين أو الناخبين الذين يتابعون كل تصريحاته وتحركاته ويعلقون عليها على وسائل «الميديا» الحديثة التى أصبح يتعامل معها على أنها نعمة ونقمة فى نفس الوقت، مثلها مثل معظم ابتكارات التكنولوجيا الحديثة، وكانت بداية تلاعب التكنولوجيا بأعصاب الشعوب وتحديدها لمصير المعارك على الأرض قد بدأ، كما يرى، من الحرب الروسية الأوكرانية.

الرئيس الفنلندى: تقنيات التزييف العميق تجعلك غير واثق من الحقيقة.

وهدفها فوضى تُضعف المعنوياتيقول كتاب الرئيس الفنلندى: «لقد أظهرت الحرب الأوكرانية أن الجيوش ما زالت بحاجة إلى المعدات العسكرية التقليدية، مثل الصواريخ والمدفعية والدبابات، من أجل السيطرة على الأراضى، إلا أن الطائرات المسيَّرة، أو الطائرات بدون طيار، سريعة الإنتاج ورخيصة التكاليف قد أثبتت أنها أكثر الأسلحة فتكاً على الجانبين.

عندما بدأت الحرب، كانت أوكرانيا تنتج القليل من هذه الطائرات المسيَّرة، وفى عام ٢٠٢٥، بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب، أصبحت «كييف» تستهدف إنتاج ٤٫٥ مليون طائرة مُسيَّرة».

ويواصل: «ما يبدو إذاً وراء الأفق هو أن الطائرات المسيَّرة والروبوتات وأنظمة إطلاق النيران التى يتم توجيهها رقمياً سوف تجعل من القتال أمراً آلياً بشكل متزايد.

معدات الجنود التى كانت يوماً ما مُحمَّلة بالمسدسات والذخيرة سوف يتم نشرها الآن لتشغيل طائرات مقاتلة بدون طيار.

سوف يجلس الطيارون المقاتلون خلف أجهزة التحكم فى مواقع بعيدة لكى «يطيروا» بجيل جديد من الطائرات الحربية.

سوف تطور الأطراف المتحاربة هذه الأساليب بالتوازى مع الهجمات الهجينة التى تستهدف زعزعة حياة المواطنين داخل بيوتهم».

ويوضح «ستوب» معنى ومدى ما يحدث خلال تلك الحروب الهجينة قائلاً: «إن الحرب الهجينة تؤدى إلى إجهاد المواطنين مباشرةً حتى وإن كانوا موجودين بعيداً عن ساحة المعركة، بطريقة لا تقدر عليها الحرب التقليدية.

الواقع أن الرفاهيات التكنولوجية التى نأخذها كأمر مُسلَّم به فى حياتنا اليومية تجعلنا أيضاً فى موقف هش.

الهجمات السيبرانية مثلاً يمكن أن تمنع وصولك إلى أموالك أو حصولك على وصفة طبية.

التخريب يمكن أن يؤدى إلى انقطاع الكهرباء.

حملة معلومات مضللة يمكن لها أن تملأ حساباتك على وسائل التواصل الاجتماعى بصور ومعلومات مصنوعة بتقنيات التزييف العميق بشكل يجعلك غير واثق من الحقيقة.

والهدف بالضبط هو الفوضى التى تنتج عن ذلك: أن يتم إحداث تلك الفوضى التى تُضعف من المعنويات العامة والدعم أو التأييد السياسى».

هذا الأمر يعنى، كما يرى «ستوب»، أن الشعوب قد أصبحت هى خط الدفاع الأول عن أمن أى دولة، وأن زيادة وعى الأفراد لكى يميزوا بين ما هو صحيح وما هو مضلل مما يتعرضون له من معلومات هو السبيل لتقليل خطر تلك الهجمات على العقول.

يقول: «كل هذا يعنى أن الأمن القومى يعتمد الآن أكثر من أى وقت مضى على المرونة الإدراكية والمعرفية للمواطنين أنفسهم.

لمواجهة مثل هذه الاعتداءات، يحتاج الناس فى كل يوم إلى القوة والحكمة والثبات للتعامل مع الاضطرابات التى يواجهونها فى الوقت الذى ينظرون فيه للأمور من المنظور الصحيح، لكى يحافظوا على هدوئهم ويقدرون على المواصلة.

المرونة المجتمعية أصبحت اليوم مسألة أمن قومى، لأننا جميعاً أصبحنا جزءاً من الدفاع».

الناس الآن يحتاجون يومياً إلى القوة والحكمة والثبات للتعامل مع الاضطرابات والنظر للأمور بشكل صحيح والحفاظ على هدوئهمويواصل: «اليوم، سواء فى فنلندا أو فى أى مكان فى العالم، دائماً ما يصبح الخط الفاصل بين السياسة الخارجية والداخلية خطاً ضبابياً.

إن الديناميكيات الداخلية تُعتبر دوافع وأعراضاً لتغير النظام العالمى فى الوقت الحالى، وإن كان تأثير السياسات الداخلية على السياسات الخارجية ليس بالجديد.

فمثلاً، أجبر المزاج الأمريكى العام الذى كان يميل إلى الانعزالية الرئيس الأمريكى الأسبق «فرانكلين روزفلت» على تأخير دخول الولايات المتحدة إلى الحرب العالمية الثانية حتى قصفت اليابان ميناء «بيرل هاربور»، والديمقراطية فى أساسها هى تعبير عن الاتفاق العام.

لكن اليوم، أصبح السياسيون يروِّجون لمواقفهم فى السياسات الخارجية كعملة يتاجرون بها فى النقاشات السياسية الداخلية.

شاهد مثلاً شعار الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» الذى يقول «أمريكا أولاً»، وشعار الرئيس السابق عليه «جو بايدن» الذى يقول: «سياسة خارجية من أجل الطبقة الوسطى».

لماذا مثلاً قرَّر «بايدن» سحب القوات الأمريكية من أفغانستان بذلك المعدل وتلك السرعة التى تم بها الانسحاب، على الرغم من مناقضة ذلك لنصائح خبراء السياسة الخارجية المخضرمين؟ السبب أن غالبية المواطنين الأمريكيين كانوا يريدون ذلك.

ولعب الضغط الداخلى دوراً أيضاً فى قرار دخول أفغانستان فى المقام الأول عام ٢٠٠١.

فى الذهن العام، لم يكن من الممكن أن يمر اعتداء إرهابى هائل مثل الذى حدث فى ١١ سبتمبر من دون رد، أياً ما كانت التداعيات العسكرية أو السياسية لهذا الرد.

كذلك، فإن الصراع الأخير بين إسرائيل و«حماس» الذى بدأ عام ٢٠٢٣ كان له تأثير بدوره على أجندة السياسة القومية فى كل مكان فى العالم».

ويستمر «ستوب» فى توضيح مدى تأثير الضغوط الداخلية على القرارات الخارجية للدول.

يقول: «أحياناً يكون للتحولات المفاجئة فى السياسات الخارجية جذور فى الديناميكيات الداخلية.

انظر مثلاً إلى السياسة الخارجية المبكرة فى الولاية الثانية لـ«ترامب».

كان الضغط على أوكرانيا يستهدف إنهاء الحرب سريعاً لتحرير الولايات المتحدة من التزاماتها فى هذا الصدد، مما يعنى بالتالى تحقيق أحد وعود الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكى.

كانت مطالبة أوروبا بتحمل مزيد من تكلفة الدفاع عنها تتعلق (من الناحية الداخلية) بتقليل التكاليف على دافعى الضرائب الأمريكيين.

وكان التوصل لاتفاق للحصول على المعادن النادرة من أوكرانيا يثبت أن الرئيس الأمريكى قادر على عقد اتفاقات لصالح اقتصاد بلاده.

كل السياسات الخارجية تقودها أجندة داخلية، حتى وإن حدث ذلك بأسلوب غير تقليدى».

ويتابع: «إن غياب الخط الفاصل بين ما هو خارجى وما هو داخلى لم يعد مجرد ظاهرة فى العالم الغربى، بل إن هناك الكثير من الاتجاهات والعوامل التى دفعت بالاهتمامات الداخلية إلى ساحة السياسة الخارجية حول العالم.

من المؤكد أن أحدها هو ذلك التغيير الجذرى الذى حدث فى المشهد الإعلامى.

وسائل التواصل الاجتماعى والمدونات والمؤثرين والأخبار التى تدور على مدى ٢٤ ساعة طوال الأسبوع كلها تلعب دوراً ضخماً.

لم يحدث من قبل فى التاريخ الإنسانى أن كان كل شخص على وجه الأرض تقريباً لديه تلك القدرة على الوصول لهذا الكم الهائل من المصادر التى لا حدَّ لها.

ولم يحدث من قبل أن كان من السهل إلى هذه الدرجة أن يتم التلاعب بالمعلومات ونشرها».

ثم ينتقل «ستوب» للحديث عن تجربته الشخصية كرئيس أوروبى يتعامل ويعتمد على «الميديا» الحديثة كجزء من عمله قائلاً: «أنا كرئيس دولة أواجه هذا التحدى يومياً.

من الناحية الإيجابية، فإن وسائل الميديا الحديثة تتيح لى التواصل مباشرة مع الناخبين حول الأحداث فور وقوعها، ومتابعة النقاش العام.

إلا أن الناحية السلبية هائلة الحجم.

كل شىء أقوله يتم التعامل معه، وتشريحه، والتلاعب به، وتضخيمه من خلال فقاعات الترشيح أو التصفية (تقنية تستخدمها خوارزميات وسائل الميديا الحديثة لكى تعرض لكل شخص المحتوى أو الآراء والمعلومات التى تعتقد أنه سيتفاعل معها فقط بشكل يعزله عن باقى المعلومات والآراء الأخرى)، وهى الفقاعات التى تدفع بالرأى العام إلى أقصى الحدود.

ويواجه المواطنون المدنيون خلال وجودهم «أونلاين» عبر الإنترنت نفس الأزمات.

يتم تضخيم «الحبة إلى قبة»، أو تتحول المسائل البسيطة إلى أمور ضخمة، وتتحول تلك الأمور الضخمة بدورها إلى ساحات معارك داخلية.

يصبح من الصعب على المجتمعات إدارة الحوار، أو إيجاد أرضية مشتركة، أو التوصل لحلول دائمة، بما فى ذلك فى العلاقات الدولية».

ويواصل: «هناك عامل آخر يصب مزيداً من الزيت على نار المعلومات المتداولة، هو تزايد عدم المساواة فى الأجور.

لقد دخل متوسط الأجور فى الولايات المتحدة وأوروبا فى حالة من الركود، بينما تضاعف عدد أثرياء القمة الذين يمثلون ١٪ من سكان العالم.

عدم عدالة هذا الأمر يُعتبر نقطة لصالح أصحاب التيار الشعبوى.

يكمن خطر هذا التيار الشعبوى فى الحلول المفترضة التى يقدمها لمعالجة هذه المشكلة: القومية العدوانية، تقديم المهاجرين والأقليات ككبش فداء، إضعاف الحماية المدنية التى تستند عليها الديمقراطية.

كلها حلول بسيطة لمشكلات معقدة.

يبيع أصحاب التيار الشعبوى رسائل بسيطة للناس من دون ضوابط تفصل الحقيقة عن الخيال، مما يمنحهم ميزة واضحة: لو أنك ظللت تردد وتكرر أمراً ما، فسوف يبدأ الناس فى تصديقه».

ويضيف: «الواقع أن الضغوط التى تنجم عن عدم المساواة، عندما تدخل فى دوامة وإعصار وسائل «الميديا»، تصنع حالة وحساً من التنافسية بين الأفراد والمجتمعات.

هنا تدخل الحرب الهجينة مرة أخرى إلى المشهد.

كلما تزايدت قدرة وفاعلية الطرف المهاجم على تعميق هذه الفوارق، تزايدت قوة هذا الهجوم.

عندما تفرض عقوبات مثلاً، فإن هدفك يكون التأثير على قطاع معين من المجتمع الذى تستهدفه أكثر من غيره.

لكن عندما تهاجم شبكة كهرباء أو طاقة يكون هدفك هو ترك تساؤلات مفتوحة حول هوية من أمر بهذا الهجوم بهدف زرع عدم الاستقرار.

إن غياب اليقين يصنع حالة من الغموض داخل المجتمع حول من هو العدو».

ويتابع: «الانقسامات الناجمة عن هذا الأمر تحمل هويات مختلفة باختلاف المجتمعات.

الانقسام الذى نشهده فى الغرب بين «الليبراليين فى مواجهة المحافظين» نشهده فى مجتمعات أخرى كانقسام بين «العلمانيين فى مواجهة المتدينين» أو «الحضر فى مواجهة الريف» أو الانقسامات العرقية وغيرها.

كلها قادرة على توجيه الرأى العام، وتشكيل الطريقة التى تتعامل بها دولة ما مع حلفائها، وأعدائها، وجيرانها.

وتكون النتيجة النهائية لذلك هى اشتعال حدة المنافسة، أو أخيراً، اندلاع النزاع والصراع».

ويواصل «ستوب»: «حل هذا الأمر يحتاج إلى قيادة.

كل الدول تحتاج إلى قادة مسئولين يقيمون أسس التعاون ويمتنعون عن استغلال الصراع الأجنبى لتحقيق مكاسب سياسية على المستوى الداخلى.

يحتاج العالم أيضاً إلى كيانات متعددة الأطراف، قوية بما يكفى لتخفيف حدة التوترات بين الدول وإيجاد حلول مشتركة، لأن ما نفقده فى لعبة إلقاء اللوم (على الآخرين) هو إدراك أننا نواجه جميعاً نفس المشكلات».

ويضيف: «إن النزاع أو الصراع مشكلة جماعية.

تكمن جذورها فى التحديات الدولية المشتركة التى تواجهنا، ويمكن أن يتوسع مداه بسهولة من الإقليمية إلى العالمية.

إلا أن «عدم النظام» العالمى الحالى يتعامل مع الصراع بشكل متقطع وجزئى.

مسائل مثل الأمن والتجارة والمناخ والطاقة وغيرها من القضايا الدولية الحساسة أصبح يدخل فيها أكثر من طرف بشكل ثنائى أو تبادلى، بينما تظل الحلول محلية ونادراً ما تدوم.

نحن بحاجة إلى معايير نظامية جديدة لمواجهة الصراع، ولا بد أن تأخذ هذه المعايير فى الاعتبار بشكل متساوٍ احتياجات ووجهات نظر كل من الجنوب والشرق والغرب العالمى».

ويواصل كتاب «ستوب»: «عام ٢٠٢٤ جلست إلى جوار رئيس جنوب أفريقيا «سيريل رامافوزا» فى غداء دولى يركز على منع النزاعات.

ألقى أول ثلاثة متحدثين كلماتهم دون أن يشير أحدهم إلى النزاع فى السودان.

شعرت بدهشة والتفتُّ إلى الرئيس «رامافوزا» وقلت له: كيف يكون ممكناً أننا نتحدث فقط عن النزاع فى أوكرانيا وإسرائيل؟

وهزَّ الرئيس «رامافوزا» رأسه معبراً عن أنه لم يتفاجأ بهذا».

ويتابع: « يمكن لنا النظر إلى التحدى الذى يواجهنا من خلال ثلاثة صراعات دائرة حالياً: حرب روسيا ضد أوكرانيا، التى ينتظر فيها الغرب، لكنه لم يتلقَّ فيها، دعماً عالمياً، والشرق الأوسط، حيث أثبتت أقوال الغرب وأفعاله أنها متناقضة، والسودان، الذى يتجاهله الغرب بشكل واضح.

فى كل من أوكرانيا وغزة، نرى صراعاً قديماً يتجدد على مستويات محلية وإقليمية ودولية جديدة.

نرى فيها حروب التكنولوجيا المتقدمة تصاحبها عمليات تخريب وعقوبات وحملات مضللة فى وسائل التواصل الاجتماعى.

نرى فيها الضغوط الداخلية تحرك قرارات السياسة الخارجية.

كل هذه التفاعلات تُبرز الحاجة لإجراءات نظامية لتحقيق السلام والحفاظ عليه».

ويضيف: «أحدثت حرب أوكرانيا بالفعل تحولات نظامية، ودفعت دولاً جديدة للانضمام إلى حلف شمال الأطلسى «الناتو»، وألهمت «الناتو» نفسه لكى يعود إلى جذوره باعتباره حامياً للسلام الأوروبى.

وبينما تميل تلك الحرب نحو الختام، راقب المشهد جيداً للإجابة عن التساؤلات الأساسية: مَن الذى سوف يتوسط من أجل إنهاء النزاع؟ مَن مِن اللاعبين سوف يراقب وقف إطلاق النار؟ أى القضايا ستظل عالقة بلا حل؟ ما هى التشكيلات التى ستظهر من أجل منع العودة إلى الحرب؟ إن الإجابات فى مسألة أوكرانيا سوف تشكل أساس نظام الأمن الأوروبى الجديد فى نهاية الأمر».

ويواصل: «كل من أوكرانيا وغزة أيضاً أبرزت أن الخطوط التى تفصل بين الغرب والشرق والجنوب العالميين ليست خطوطاً واضحة، وأن الغرب عليه أن يعمل من أجل استعادة ثقة الجنوب (الذى يضم معظم الاقتصادات الصاعدة فى الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وآسيا).

وفيما وراء خطوط المعركة، فإن كلاً من الحربين هى أيضاً نموذج لحروب السرديات (أى رواية كل طرف عما يحدث فعلاً) ونشر مفاهيم بديلة لتحديد معنى الحرب والتعامل معها.

فمثلاً: هل النزاع فى غزة يُعتبر حرباً ضد الإرهاب؟ أم حرباً بين إسرائيل و«حماس»؟ أم بين إسرائيل وفلسطين؟ أم بين العرب وإسرائيل؟ أم بين إسرائيل وإيران؟

الإجابة تعتمد على الإطار الذى تنظر من خلاله للحرب».

ويضيف: «فى السودان، اندلعت حرب بين الفصائل المسلحة المتصارعة فى أبريل عام ٢٠٢٣، وأدت إلى مقتل عشرات الآلاف من الناس وتشريد ما يقرب من ٨ ملايين شخص حتى بدايات عام ٢٠٢٥.

وتسبب العنف المتواصل فى إحداث أسوأ أزمة نزوح على مستوى العالم، وأكبر أزمة مجاعة.

وعلى الرغم من ذلك، نادراً ما يوجد السودان فى عناوين الأخبار فى الكثير من دول العالم الغربى.

حتى هذه اللحظة، كان الغرب يريد أن تكون حروبه هى محور اهتمام العالم، لكننا نحن كغرب لم نُظهر اهتماماً كبيراً بالحروب التى تدور فى أماكن أخرى من العالم.

هنا يكمن أحد التحديات التى لا بد من تجاوزها».

ويصل كتاب «ستوب» إلى خلاصة تقول: «كما أن التحديات العالمية مثل التغير المناخى والهجرة والأوبئة لا يمكن مواجهتها إلا من خلال التعاون، فإن الأمر نفسه ينطبق على النزاعات.

إن أسس النظام العالمى الجديد أصبحت بالفعل تحت الإنشاء، والواقع أن النزاعات فى أوكرانيا وغزة والسودان يمكن أن تقدم مؤشرات على الصورة التى سيكون عليها ذلك النظام.

الحلول التى سوف نضعها لتلك الصراعات سوف تؤسِّس بدورها لمعايير جديدة فى النظام العالمى.

دعونا نحرص على أن هذه الحلول تجعل الدول الأخرى تنخرط كشركاء حقيقيين، وتبنى مؤسسات تدوم لما وراء هذه اللحظة، وتقودنا للوصول إلى ترياق التشتت، وهو التعاون».

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك