بقلم: سعيد بن محمد الرواحيلا يختلف اثنان على أهمية مشاريع الصرف الصحي باعتبارها من أهم المشاريع الاستراتيجية التي ترتبط بصحة الإنسان وحماية البيئة وتحسين جودة الحياة.
وقد أنفقت الدولة خلال العقود الماضية مبالغ كبيرة لإنشاء شبكات حديثة للصرف الصحي في مختلف ولايات ومحافظات السلطنة، إدراكًا منها لما تمثله هذه المشاريع من استثمار طويل الأمد في البنية الأساسية والتنمية المستدامة.
غير أن أهمية المشروع وضرورته لا تعني تجاهل الآثار الجانبية المصاحبة له، خاصة عندما تتحول حياة المواطنين والمقيمين إلى معاناة يومية بسبب غياب التخطيط المتكامل أو ضعف متابعة الأعمال اللاحقة للتنفيذ.
ففي عدة مناطق بمحافظة مسقط، شهدت الطرق عمليات حفر واسعة لإنشاء وتمديد شبكات الصرف الصحي، وهو أمر متوقع ومفهوم في مثل هذه المشاريع.
لكن ما يثير الاستغراب والاستياء أن العديد من هذه الطرق بقيت بعد انتهاء الأعمال في حالة متردية، مليئة بالحفر والمطبات والتشققات والهبوطات الأرضية، وكأن المشروع انتهى عند مد الأنابيب فقط، دون الالتفات إلى إعادة تأهيل الطرق وإعادتها إلى وضعها الطبيعي.
وهنا يبرز تساؤل لدى المواطن؛ أين كان التخطيط المسبق لمثل هذه المشاريع؟مما شك فيه ان نجاح المشاريع الحديثة تُقاس بقدرتها على تقليل الأضرار المصاحبة أثناء التنفيذ وبعده.
وكان من المفترض أن تتضمن مراحل التخطيط دراسة كاملة لتأثير المشروع على الحركة المرورية وسلامة الطرق والممتلكات العامة والخاصة، وأن تكون هناك خطة واضحة ومعلنة لإعادة الطرق إلى حالتها السابقة أو أفضل منها فور الانتهاء من الأعمال.
فإذا كانت الجهات المختصة تعلم مسبقًا أن المشروع سيؤدي إلى قطع الشوارع الرئيسية والفرعية، فلماذا لم تُوضع جداول زمنية دقيقة لإعادة السفلتة والتأهيل؟ ولماذا تُترك بعض المواقع لأشهر طويلة وهي في حالة لا تليق بعاصمة البلاد ولا بمستوى الخدمات المتوقع؟كما يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: لماذا لم يتم إلزام الشركة المنفذة بإعادة الطرق إلى وضعها السابق ضمن بنود العقد؟ففي كثير من دول العالم، لا يُسمح لأي شركة بحفر طريق عام إلا بعد تقديم ضمانات مالية وفنية تكفل إعادة الطريق بنفس الجودة والمواصفات التي كان عليها قبل بدء العمل.
بل إن بعض العقود تلزم المقاول بتحمل المسؤولية عن أي هبوطات أو أضرار تظهر خلال سنوات لاحقة.
أما أن يتم تنفيذ المشروع ثم تُترك الجهات الأخرى لتتولى معالجة الأضرار، أو أن تبقى الطرق مهترئة لفترات طويلة، فإن ذلك يعني وجود خلل في منظومة التنسيق والمتابعة وإدارة العقود.
ولا تقتصر المشكلة على الجانب الجمالي أو الراحة العامة فحسب، بل تمتد إلى آثار اقتصادية واجتماعية حقيقية.
فالحفر والمطبات تتسبب في تلف المركبات وارتفاع تكاليف الصيانة واستهلاك الإطارات وقطع الغيار، كما تزيد من احتمالات الحوادث المرورية، خاصة في ساعات الليل أو أثناء هطول الأمطار.
كذلك تؤثر هذه الحالة على حركة الإسعاف والدفاع المدني وخدمات الطوارئ، وتزيد من زمن التنقل اليومي للمواطنين.
أما سكان المناطق المتضررة فهم يدفعون الثمن مرتين؛ مرة عندما يتحملون الإزعاج والغبار والضوضاء أثناء تنفيذ المشروع، ومرة أخرى عندما تستمر معاناتهم مع طرق غير مؤهلة بعد انتهاء الأعمال.
وهنا اما الحق أن نتساءل من يدفع قيمة هذه المعاناة؟ومن يعوض أصحاب المركبات الذين تضررت سياراتهم بسبب الحفر والهبوطات؟ومن يعوض أصحاب المنازل والمحلات التجارية الذين تأثرت أعمالهم ومداخل ممتلكاتهم نتيجة استمرار أعمال الطرق أو سوء إعادة تأهيلها؟إن التنمية الحقيقية لا تقتصر على تنفيذ المشاريع فقط، بل تشمل كذلك إدارة آثارها الجانبية بكفاءة وعدالة.
فنجاح أي مشروع لا يُقاس بعدد الكيلومترات التي تم حفرها أو الأنابيب التي تم تركيبها، وإنما لمدى تحقيقها للنتائج المرجوة دون آثار سلبية كبيرة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة لآليات تنفيذ مشاريع البنية الأساسية، بحيث تكون إعادة تأهيل الطرق جزءًا أساسيًا من المشروع وليس مرحلة منفصلة أو مؤجلة.
كما ينبغي تعزيز الرقابة الميدانية على الشركات المنفذة، وفرض غرامات واضحة على أي تأخير في إعادة الطرق أو أي قصور في جودة الأعمال.
كما أن الشفافية تقتضي إطلاع المواطنين على الجداول الزمنية لإصلاح الطرق المتضررة، وتوضيح الجهات المسؤولة عن المتابعة والمحاسبة، حتى يشعر المجتمع بأن حقوقه ومصالحه محل اهتمام ورعاية.
وهنا أكرر، أنه لا أحد يعارض مشاريع الصرف الصحي، بل الجميع يدرك ضرورتها وأهميتها.
لكن المواطن من حقه أيضًا أن يتساءل: إذا كانت المشاريع تُنفذ من أجل تحسين جودة الحياة، فكيف نقبل أن تتحول بعض الطرق إلى مصدر يومي للمعاناة بعد انتهاء تلك المشاريع؟الإجابة على هذا السؤال تحتاج إلى حلول عملية وسريعة تعيد الطرق إلى حالتها اللائقة، وتحفظ للمواطن حقه في بنية أساسية متكاملة، تُنجز المشاريع فيها دون أن يبقى أثرها السلبي سنوات طويلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك