لا تقلق.
فالعالم الذي قيل إنه سينتهي صباح اليوم ما زال قائما، والاقتصاد الذي انهار قبل الظهر عاد إلى العمل بعد الظهر.
أما الحرب التي كانت ستشعل المنطقة خلال ساعات، فقد أضيف إليها خبر عاجل جديد يؤكد أنها لم تشتعل بعد.
في الواقع، يبدو أن الشيء الوحيد الذي لم ينج من كل هذه الأخبار هو معنى كلمة واحدة: " عاجل".
في زمن مضى، كانت هذه الكلمة تظهر في لحظات استثنائية: انقلاب عسكري، إعلان حرب، وفاة زعيم، كارثة طبيعية، أو حدث يغير مسار دولة بأكملها.
كانت كلمة" عاجل" بمثابة جرس إنذار إعلامي لا يقرع إلا عند الضرورة.
أما اليوم، فقد أصبحت نمط حياة.
المشكلة ليست في الكلمة ذاتها، بل في البيئة التي تنتجها.
نحن نعيش داخل اقتصاد جديد، يمكن تسميته" اقتصاد الانتباه".
في هذا الاقتصاد لا تتنافس المؤسسات الإعلامية على نقل الخبر فقط، بل على خطف عين القارئيكفي أن تفتح هاتفك لتجد عشرات الأخبار العاجلة قبل أن تنتهي من شرب قهوتك: عاجل عن تصريح.
عاجل عن نفي التصريح.
عاجل عن رد على النفي.
وعاجل آخر يؤكد أن الخبر العاجل السابق كان مبالغا فيه.
تحولت الكلمة من وصف لحدث استثنائي إلى أداة يومية للمنافسة على انتباه الجمهور.
ولعل المفارقة الكبرى أن التضخم لم يصب العملات وحدها، بل أصاب الكلمات أيضا.
فكما تفقد العملة قيمتها عندما تطبع بكميات هائلة، تفقد الكلمات قوتها عندما تستهلك بلا حدود.
حين يصبح كل شيء عاجلا، لا يعود أي شيء عاجلا.
المشكلة ليست في الكلمة ذاتها، بل في البيئة التي تنتجها.
نحن نعيش داخل اقتصاد جديد، يمكن تسميته" اقتصاد الانتباه".
في هذا الاقتصاد لا تتنافس المؤسسات الإعلامية على نقل الخبر فقط، بل على خطف عين القارئ لثوان معدودة وسط بحر من المحتوى المتدفق بلا توقف.
وهكذا أصبحت كلمة" عاجل" أشبه بلافتة مضيئة على طريق مزدحم.
لا يهم أحيانا ما الذي تقوله، بقدر ما يهم أن تجعل المارين يلتفتون إليك.
فالإنسان لم يخلق ليعيش في حالة تأهب دائم.
أجسادنا وعقولنا تتعامل مع الأخبار العاجلة كما تتعامل مع الإنذار الحقيقي.
ارتفاع في مستوى الانتباه، زيادة في التوتر، شعور بوجود تهديد أو تطور كبير يجب متابعته فورا.
وعندما يتكرر هذا الإنذار عشرات المرات يوميا، يحدث أمر غريب: نتوقف عن الاستجابة.
إنها الظاهرة نفسها التي تحدث عندما يصرخ أحدهم" ذئب، ذئب" كل يوم.
في النهاية، حتى لو ظهر الذئب فعلا، لن يلتفت أحد.
ولهذا ربما نعيش اليوم مفارقة إعلامية غير مسبوقة.
لم يحصل الإنسان في تاريخه على هذا الكم من التنبيهات والتحذيرات والإشعارات، ومع ذلك لم يكن بهذا القدر من اللامبالاة تجاه كثير من الأحداث.
لقد استهلكنا الخوف حتى فقد تأثيره.
وأصبحنا نمر على أخبار الحروب والكوارث والأزمات كما نمر على توقعات الطقس.
الأكثر إثارة للاهتمام أن كلمة" عاجل" لم تعد مجرد أداة إعلامية، بل تحولت إلى ثقافة عامة.
انتقلت من شاشات الأخبار إلى منصات التواصل الاجتماعي، ومن المؤسسات الصحفية إلى الأفراد أنفسهم.
قد يكون التحدي الحقيقي أمام الإعلام اليوم ليس إنتاج المزيد من الأخبار العاجلة، بل استعادة المعنى المفقود للكلمات، لأن الكلمات، مثل العملات، تحتاج إلى ثقة حتى تحتفظ بقيمتها.
كل شخص أصبح يملك نشرته العاجلة الخاصة.
حتى حياتنا الشخصية بدأت تدار بمنطق الاستعجال.
نريد الأخبار فورا، والردود فورا، والنجاح فورا، والانتشار فورا.
وكأن الزمن نفسه أصبح أبطأ من توقعاتنا.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: ماذا يحدث للمجتمع عندما يعيش أفراده داخل حالة طوارئ إعلامية مستمرة؟أحد الاحتمالات أن يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين المهم والعادي.
فحين تقدم الأحداث كلها بالدرجة نفسها من الاستعجال، يصبح من الصعب معرفة ما الذي يستحق الانتباه حقا.
خبر عن اندلاع حرب قد يقدم بالطريقة نفسها التي يقدم بها تصريح سياسي عابر أو شائعة غير مؤكدة.
والنتيجة أن الخطاب الإعلامي يبدأ في تسوية الفوارق بين الأشياء المختلفة.
وهنا تكمن المفارقة الساخرة.
فالكلمة التي صممت أصلا لتنبيه الجمهور إلى الأحداث الاستثنائية، أصبحت أحيانا سببا في إضعاف الإحساس بتلك الأحداث نفسها.
ربما لهذا السبب لم يعد السؤال: ما الخبر العاجل؟ بل: هل يستحق أن يكون عاجلا أصلا؟وقد يكون التحدي الحقيقي أمام الإعلام اليوم ليس إنتاج المزيد من الأخبار العاجلة، بل استعادة المعنى المفقود للكلمات، لأن الكلمات، مثل العملات، تحتاج إلى ثقة حتى تحتفظ بقيمتها.
وحين تفقد كلمة" عاجل" معناها، لا نخسر مجرد مصطلح صحفي، بل نخسر إحدى الأدوات التي تساعدنا على التمييز بين ما يستحق الانتباه وما لا يستحقه.
أما العالم الذي قيل إنه سينتهي خلال ساعتين، فهو على الأرجح بخير، لكن كلمة" عاجل" هي التي تحتاج إلى عملية إنقاذ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك