عندما يُستحضر تاريخ المدن المصرية في العصر الإسلامي، تتجه الأنظار عادةً إلى الحواضر الكبرى مثل الفسطاط والقاهرة والإسكندرية ودمياط، بوصفها مراكز السياسة والإدارة والعلم والتجارة.
غير أن المشهد التاريخي لم تصنعه هذه المدن وحدها؛ فهناك مدن وبلدات أخرى أدت أدوارًا مهمة في حياة المجتمع المصري، رغم أن نصيبها من اهتمام المؤرخين كان محدودًا.
ومن بين هذه المدن تبرز بنها، عاصمة محافظة القليوبية اليوم، التي يسعى الدكتور أحمد سعيد رزق من خلال دراسته إلى إعادة اكتشاف تاريخها وإبراز مكانتها خلال العصور الإسلامية، وقد نُشرت هذه الدراسة في مجلة دراسات وبحوث بكلية الآداب، جامعة بنها، ضمن المجلد الثالث، العدد الثاني (يوليو 2025)، كما يُنتظر أن تصدر في صورة كتاب مستقل، بما يتيح لها الوصول إلى شريحة أوسع من الباحثين والمهتمين بتاريخ المدن المصرية التليدة.
هذا، وتمتد الدراسة زمنيًا من الفتح الإسلامي لمصر سنة 21هـ/642م حتى نهاية العصر المملوكي سنة 923هـ/1517م، وجاءت موزعة على ستة محاور رئيسة تتناول مختلف جوانب تطور المدينة.
ولا تكتفي الدراسة بالنظر إلى بنها باعتبارها قرية تابعة لمراكز أكثر شهرة، بل تحاول تتبع مسار تحولها التاريخي، والكشف عن العوامل التي مكنتها من أن تصبح أحد المراكز المهمة في شرق الدلتا.
ومن خلال قراءة متأنية للمصادر التاريخية والوثائقية، تتبع الباحث تطور بنها عبر المراحل السياسية المختلفة؛ من عصر الولاة، مرورًا بالعصرين الفاطمي والأيوبي، وصولًا إلى العصر المملوكي.
وتُظهر الدراسة أن المدينة لم تكن على هامش الأحداث، بل شاركت بدرجات متفاوتة في التحولات السياسية والاقتصادية والعمرانية التي شهدتها مصر الإسلامية.
وترجع جذور بنها إلى ما قبل الفتح الإسلامي بقرون طويلة، إذ ارتبطت نشأتها بمدينة أتريب القديمة، إحدى أهم مدن الوجه البحري في العصور السابقة.
وكانت بنها تمثل المنفذ النهري لأتريب على فرع دمياط، وهو ما منحها منذ وقت مبكر أهمية جغرافية واقتصادية واضحة.
ومع مرور الزمن وتراجع مكانة بعض المراكز القديمة، بدأت بنها تستقطب جانبًا من الثقل الحضاري والإداري الذي كانت تتمتع به أتريب.
وتوضح الدراسة أن هذا التحول لم يكن نتيجة عامل منفرد، بل جاء حصيلة تفاعل عوامل متعددة.
فقد أسهمت التغيرات البيئية والكوارث الطبيعية التي أصابت بعض المدن القديمة في إعادة توزيع مراكز العمران داخل الدلتا، بينما استفادت بنها من موقعها المتميز على النيل ومن قربها النسبي من العواصم الإسلامية المتعاقبة في مصر، سواء الفسطاط أو القاهرة.
وقد منحها هذا الموقع دورًا مهمًا في شبكات النقل والتجارة، وربطها بحركة التبادل الاقتصادي بين العاصمة وأقاليم الدلتا.
ومع ازدهار النشاط الزراعي والتجاري أخذت مكانتها تنمو تدريجيًا، وهو ما انعكس على تطورها العمراني واتساع رقعتها السكانية.
ومن النتائج المهمة التي توصلت إليها الدراسة أن ملامح التحول الحضري في بنها أصبحت أكثر وضوحًا منذ القرن الرابع الهجري، حيث تجاوزت المدينة حدود القرية التقليدية، وبدأت تؤدي وظائف اقتصادية وإدارية أكثر تنوعًا.
واستمرت هذه العملية عبر القرون التالية حتى نهاية العصر المملوكي، لتغدو بنها نموذجًا لمدينة نشأت في بيئة ريفية، لكنها استطاعت أن تفرض حضورها ضمن المشهد الحضاري لمصر الإسلامية.
وتزداد أهمية هذه النتيجة إذا ما وضعناها في سياق ندرة المعلومات التي حفظتها المصادر عن المدينة.
فالإشارات إلى بنها جاءت في الغالب عابرة، ضمن الحديث عن الطرق أو التقسيمات الإدارية أو بعض الوقائع السياسية، دون أن تحظى بوصف مستقل ومفصل كما حدث مع مدن أخرى.
كما أن انتقال تبعيتها الإدارية بين أعمال القليوبية وأعمال الشرقية في فترات مختلفة أسهم في زيادة الغموض حول تاريخها الإداري.
ولعل هذا النقص في المادة التاريخية كان من أبرز الدوافع التي حفزت الباحث إلى جمع الإشارات المتفرقة الواردة في المصادر التاريخية والجغرافية وإعادة قراءتها ضمن إطار واحد.
كما استفاد من الوثائق التاريخية، وفي مقدمتها وثائق الجنيزا، التي تمثل مصدرًا بالغ الأهمية لدراسة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية في مصر خلال العصور الإسلامية.
وتكشف الدراسة أن بنها لم تكن مجرد محطة على ضفاف النيل، بل مركزًا اقتصاديًا نشطًا أسهم موقعه في تنشيط حركة التجارة بين أقاليم الدلتا والعاصمة، واستقطب التجار والحرفيين والسكان.
وقد انعكس هذا النشاط بصورة مباشرة على نمو المدينة وتوسعها العمراني.
كما تتناول الدراسة تاريخ اسم بنها وتطور دلالاته، ولا سيما ارتباطه في بعض الفترات باسم «بنها العسل»، وهو ما يعكس صلة وثيقة بالبيئة الزراعية المحلية وبطبيعة النشاط الاقتصادي السائد آنذاك.
وتؤكد الدراسة أن تتبع أسماء الأماكن لا يقتصر على الجانب اللغوي، بل يفتح نافذة لفهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها المجتمعات المحلية عبر الزمن.
وتتوقف الدراسة أيضًا عند حضور بنها في بعض الأحداث السياسية والعسكرية خلال العصر الإسلامي.
فعلى الرغم من أنها لم تكن مركزًا للصراعات الكبرى، فإن موقعها جعلها جزءًا من شبكة الطرق والمسالك التي ربطت العاصمة بمختلف أقاليم الوجه البحري، الأمر الذي أكسبها أهمية استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
واعتمد الباحث في معالجته على منهج يجمع بين التحليل التاريخي والاستقراء الوثائقي، مع الإفادة من مقاربات «التاريخ من أسفل» التي تهتم بدراسة المجتمعات المحلية والفئات الأقل ظهورًا في السرديات الرسمية.
ومن خلال هذا المنهج أمكن إعادة بناء صورة أقرب إلى الواقع اليومي لسكان بنها، بعيدًا عن الاقتصار على تاريخ السلاطين والولاة والأحداث السياسية الكبرى.
وتخلص الدراسة إلى أن قيمة المدن لا تُقاس بحجم ما كُتب عنها في المصادر، وإنما بالأدوار التي أدتها في حياة المجتمع وفي مسار التطور الحضاري.
ومن هذا المنظور تبدو بنها مثالًا واضحًا لمدينة استطاعت، بفضل موقعها ومواردها وقدرتها على التكيف مع التحولات التاريخية، أن تنتقل تدريجيًا من قرية صغيرة إلى مركز حضري مهم في شرق الدلتا.
ومن ثم فإن إعادة قراءة تاريخ بنها لا تمثل مجرد استعادة لماضي مدينة محلية، بل تندرج ضمن دعوة أوسع لإعادة الاعتبار لتاريخ المدن والقرى المصرية التي شاركت في صنع الحضارة المصرية ككل عبر القرون، لكنها ظلت بعيدة عن اهتمام المصادر التاريخية القديمةوكذلك الدراسات الحديثة، إذ انصرف الجميع إلى التدوين عن الحواضر الكبرى والمراكز السياسية الشهيرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك