تمر إسبانيا بمرحلة سياسية حساسة، قد تؤدي إلى انتخابات مبكرة ربما تحمل معها نهاية حكم الاشتراكي بيدرو سانشيز، وذلك بسبب ملفات فساد مفترضة.
وتختلف الرؤية لهذه التطورات بين الجانب العاطفي، الذي يرى فيها مؤامرة بسبب مواقف سانشيز من قضايا دولية ومنها، حرب الإبادة في فلسطين والحرب في إيران، ومن يعتبر ضرورة ترك فكر المؤامرة جانبا، ومواجهة الفساد سياسيا وقضائيا لحماية الديمقراطية.
ومنذ أكثر من سنة، تعيش إسبانيا على إيقاع بعض ملفات الفساد التي تشمل محيط رئيس الحكومة سانشيز، ابتداء من زوجته بيغونيا إلى رئيس الحكومة الأسبق خوسي لويس رودريغيث سبتيرو.
وهي ملفات تختلف في مستوى التهم بين استغلال النفوذ في حالة زوجة رئيس الحكومة، التي تُتهم بتوظيف بعض موارد الحكومة في ملف تعليمي في إحدى جامعات العاصمة مدريد، وكذلك الوصاية لصالح بعض المشاريع التي تعمل فيها.
وفي العمق لا تتجاوز هذه الاتهامات مخالفات، غير أن الملف الثقيل هو الذي تورط فيه وزير النقل والأشغال العمومية السابق خوسي لويس أبالوس، وسكرتير التنظيم في الحزب الاشتراكي والنائب البرلماني المستقيل سانتو سيردان المقرب كثيرا من رئيس الحكومة، ويتجلى في اختلاسات خلال جائحة الكوفيد، ونسب مئوية في صفقات مع شركات حول صفقات عمومية.
ويبقى الملف الذي فاقم وضع الحكومة سوءا، وقد يؤدي إلى انتخابات مبكرة، هي الاتهامات التي جرى توجيهها إلى رئيس الحكومة الأسبق خوسي لويس رودريغيث سبتيرو، الذي يعد أحد المراجع الأخلاقية سياسيا لدى الحزب الاشتراكي الحاكم، حيث جرى اتهامه بقيادة مجموعة تقوم بتبييض الأموال ذات مصادر إسبانية ومن الخارج خاصة فنزويلا.
وقد خلفت هذه الاتهامات، خاصة في ملف سبتيرو جدلا واختلافا في التأويل وسط الطبقة السياسية والإعلامية، يمتد إلى الخارج ومنه في العالم العربي، خاصة في المغرب، حيث يوجد اهتمام بالسياسة الإسبانية، نظرا للقرب الجغرافي والعلاقات المكثفة.
في هذا الصدد، يذهب طرف إلى أن هذه الملاحقات القضائية، خاصة ضد رئيس الحكومة الأسبق سبتيرو هي جزء من مؤامرة اليمين مع الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحكومة الاشتراكية، بسبب مواقفها من القضية الفلسطينية مثل، التنديد بجرائم ضد الإنسانية في فلسطين وزعامة تيار أوروبي رافض للحرب التي تخوضها واشنطن رفقة إسرائيل ضد إيران، ومنها منع مدريد للبنتاغون باستعمال قواعد عسكرية إسبانية – أمريكية مثل «روتا» في هذه الحرب.
ويستند أنصار هذه الأطروحة إلى ضعف ملفات الاتهام، باستثناء ملف الوزير أبالوس الذي يوجد رهن الاعتقال وتطالب النيابة العامة بسجنه لمدة 24 سنة.
ويلمح بعض أعضاء الحزب الاشتراكي إلى وجود مؤامرة داخلية من طرف تيار قضائي محافظ يريد تنفيذ ما يسمونه «انقلابا ضد الحكومة»، عبر اختلاق الملاحقات القضائية.
حماية الديمقراطية تتطلب حماية مؤسسات البلاد، لأن الاستمرار في الفساد سيأتي بالأسوأ، ويعني هنا وصول اليمين القومي المتطرف إلى السلطة بكل ما يشكل ذلك من مخاطرفي الطرف الآخر، ترى الأغلبية وجود مؤشرات فساد حقيقية، تورط فيها عدد من مسؤولي الحزب الاشتراكي بمن فيهم رئيس الحكومة الأسبق الذي سيخضع للاستنطاق القضائي يوم 18 يونيو الجاري.
وترتفع أصوات من داخل حزب سومار المشارك في الحكومة، وهو الأكثر دفاعا عن فلسطين ومناهضة لإسرائيل والولايات المتحدة، بأن الحزب الحاكم يجب أن يتخذ إجراءات حاسمة ضد الفساد ولا يتردد في اتهام القضاء بتسييس بعض الملفات.
ومن جانبها، تطالب بعض الأحزاب التي توفر النصاب القانوني للحكومة في البرلمان، بأنه بسبب الفساد حانت نهاية الولاية التشريعية الحالية، والتلميح إلى ضرورة التفكير في إجراء انتخابات تشريعية.
وذهبت افتتاحية جريدة «الباييس» المقربة جدا من الحزب الحاكم في افتتاحيتها يوم الأحد الماضي بعنوان «الحزم والقدوة»، أن ما يجري ليس وقت نظريات المؤامرة: على سانشيز أن يوضح كيف ينوي إكمال الفترة المتبقية من الدورة البرلمانية، وحذّرت من أن شبهات الفساد حول الحكومة والحزب الاشتراكي الحاكم ترتب عنه وضع خطير يهدد الديمقراطية والاستقرار في البلاد، ويجعل اليمين القومي المتطرف قريبا من الوصول إلى السلطة، وهو اليمين الذي يهدد بإجراءات خطيرة ومنها طرد المهاجرين.
وتبرز الصحيفة أن البلاد في حاجة إلى استقرار بعيدا عن التلميح إلى وجود مؤامرات لإسقاط الحكومة.
وبغض النظر عن وجود مؤامرة من عدمها، لا يوجد اختلاف وسط إسبانيا بتورط أعضاء من الحكومة والحزب الحاكم في ملفات فساد مالي، لأن الشرطة والقضاء قد يبالغان في التأويل، ولكن لا يمكنهما اختلاق أدلة من لا شيء، لاسيما في ظل وجود مراقبة للعمل الأمني والقضائي.
في الوقت ذاته، يحسب للقضاء الإسباني، رغم بعض التجاوزات، أنه فتح التحقيق في ملفات تهم مسؤولين حكوميين سابقين وبعض قادة الجيش والحرس المدني والاستخبارات، وكذلك أفراد من العائلة الملكية مثل التحقيق في ثروة الملك الأب خوان كارلوس ومحاكمة ابنته كريستينا شقيقة الملك الحالي.
ويرى أنصار الديمقراطية أنه يجب عدم غلبة العاطفة السياسية على ضرورة حماية الديمقراطية، لأن استمرارية دولة المؤسسات هي التي تعلو على الأشخاص، لأن هؤلاء يمرون وتبقى المؤسسات عماد استقرار البلاد.
وعلى ضوء هذا يجب فهم المعنى العميق لـ»دولة المؤسسات» التي تعني ارتكاز البلاد على قوانين وليس دولة الأشخاص، لأن الشخص مهما كان تأثيره تبقى مؤسسات البلاد هي العمود الفقري للاستمرارية، وكم من مسؤول جرى تمجيده ليتبين لاحقا ارتكابه أخطاء ومخالفات خطيرة.
لقد ظهر وتقوى اليمين القومي المتطرف في الغرب، خاصة في أوروبا نتيجة تسامح الأحزاب الكلاسيكية مع الفساد، وتورط عدد من مسؤوليها في اختلاسات وتوظيف النفوذ لمصالح ذاتية، وهو ما حدث في هولندا وبلجيكا وفرنسا والنمسا، والآن أصبح اليمين القومي المتطرف المتمثل في فوكس قريبا من السلطة، كحليف للحزب الشعبي المحافظ.
حزب ينادي بترحيل ملايين المهاجرين، وبإعادة النظر في العلاقات الدبلوماسية مع بعض الدول مثل، المغرب والرهان على إسرائيل والولايات المتحدة وتقليل دور الاتحاد الأوروبي.
إن حماية الديمقراطية تتطلب حماية مؤسسات البلاد بعيدا عن العواطف، بسبب موقف من قضية ما، لأن الاستمرار في الفساد سيأتي بالأسوأ، ويعني هنا وصول اليمين القومي المتطرف إلى السلطة بكل ما يشكل ذلك من مخاطر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك