عندما استضافت إيطاليا نهائيات كأس العالم العام 1990، كانت التوقعات تشير إلى نسخة استثنائية تجمع بين المتعة الكروية والتنظيم الراقي، خاصة في ظل امتلاك البلاد آنذاك لأقوى دوري في العالم وبنية تحتية متطورة وملاعب حديثة أعيد تأهيلها خصيصًا للبطولة.
واحتضنت العاصمة روما المباراة النهائية على الملعب الأولمبي، بينما استضاف ملعب سان سيرو الشهير في ميلانو المباراة الافتتاحية، وسط حضور جماهيري كبير وتغطية تلفزيونية متطورة اعتُبرت نقلة نوعية في تاريخ نقل البطولات العالمية، حسب «فرانس برس».
كما ارتبطت البطولة بواحدة من أشهر المقطوعات الموسيقية في تاريخ الرياضة، حيث أصبحت أغنية «نيسون دورما» بصوت المغني الإيطالي الشهير لوتشيانو بافاروتي رمزًا خالدًا لذلك المونديال.
دفاعات مغلقة وأهداف قليلةوعلى الرغم من روعة التنظيم؛ فإن المستوى الفني للبطولة لم يرق إلى حجم التوقعات، إذ شهدت المباريات أسلوبًا دفاعيًا مبالغًا فيه أدى إلى انخفاض معدل الأهداف بصورة لافتة.
وسجلت البطولة واحدًا من أدنى المعدلات التهديفية في تاريخ كأس العالم، بينما حُسمت أربع مباريات عبر ركلات الترجيح، بينها مباراتا الدور نصف النهائي.
وأجبرت هذه الظاهرة الاتحاد الدولي لكرة القدم لاحقًا على إجراء تعديلات جوهرية في قوانين اللعبة، أبرزها منع حراس المرمى من التقاط الكرات المعادة من المدافعين ومنح ثلاث نقاط للفريق الفائز بدلاً من نقطتين، سعيًا لزيادة النزعة الهجومية في المباريات.
ألمانيا تثأر من مارادونا وتعتلي القمةشهدت المباراة النهائية مواجهة متجددة بين ألمانيا الغربية والأرجنتين، في تكرار لنهائي نسخة 1986 التي حسمها المنتخب الأرجنتيني بقيادة دييغو مارادونا.
لكن هذه المرة جاءت الكلمة للألمان الذين نجحوا في رد الاعتبار والثأر من خسارتهم السابقة، بعدما انتزعوا الفوز بهدف دون مقابل سجله المدافع أندرياس بريمه من ركلة جزاء في الدقائق الأخيرة.
وكان النهائي الأول في تاريخ كأس العالم الذي يفشل فيه أحد طرفيه في التسجيل، كما شهد طرد لاعبين من صفوف المنتخب الأرجنتيني في مشهد عكس التوتر الكبير الذي رافق اللقاء.
مارادونا يسقط تحت الرقابة الألمانيةدخل دييغو مارادونا النهائي وهو يحلم بتكرار إنجازات نسخة 1986، لكنه اصطدم برقابة صارمة فرضها المدافع الألماني غيدو بوخفالد الذي نجح في الحد من خطورة النجم الأرجنتيني طوال المباراة.
ومع صافرة النهاية، ظهرت ملامح الحسرة على مارادونا الذي جلس باكيًا في وسط الملعب، بعدما تبخر حلم الاحتفاظ باللقب العالمي.
وشكل تتويج ألمانيا الغربية محطة تاريخية للمدرب فرانتس بيكنباور الذي أصبح أول شخصية في تاريخ كرة القدم تحقق لقب كأس العالم لاعبًا وقائدًا للمنتخب ثم مدربًا.
- إيران تسعى إلى نقل مباريات منتخبها بكأس العالم 2026 إلى المكسيك- ترامب: منتخب إيران لا ينبغي أن يشارك في كأس العالم 2026 من أجل سلامتهكما منح اللقب الثالث ألمانيا مكانة متساوية مع البرازيل في عدد مرات التتويج آنذاك، بعد أن سبق لها الفوز بالبطولة العامين 1954 و1974.
وجاء هذا الإنجاز في فترة تاريخية مهمة سبقت توحيد ألمانيا بفترة قصيرة، ليحمل الانتصار أبعادًا رياضية ووطنية كبيرة.
سكيلاتشي.
نجم خرج من الظل إلى الشهرةومن أبرز قصص البطولة صعود المهاجم الإيطالي سالفاتوري سكيلاتشي الذي تحول من لاعب مغمور إلى نجم المونديال الأول.
ودخل سكيلاتشي المنافسات دون ضجيج إعلامي كبير، لكنه نجح في خطف الأضواء بتسجيله ستة أهداف جعلته هداف البطولة وأحد أبرز نجومها.
وعلى الرغم من النهاية المؤلمة لإيطاليا بالخروج أمام الأرجنتين في نصف النهائي، بقي اسم سكيلاتشي مرتبطًا بأجمل لحظات الجماهير الإيطالية في تلك النسخة.
الكاميرون تكتب التاريخ الأفريقيوشهدت البطولة واحدة من أعظم المفاجآت في تاريخ كأس العالم عندما أسقط الكاميرون حامل اللقب المنتخب الأرجنتيني في المباراة الافتتاحية.
ولم يتوقف الإنجاز عند ذلك الحد، إذ أصبح المنتخب الكاميروني أول منتخب أفريقي يبلغ الدور ربع النهائي في تاريخ البطولة، فاتحاً الباب أمام المنتخبات الأفريقية للحلم بمكانة أكبر على الساحة العالمية.
وبرز المهاجم المخضرم روجيه ميلا كأحد أبرز نجوم البطولة بعدما سجل أربعة أهداف واحتفل بطريقته الراقصة الشهيرة التي أصبحت إحدى أشهر لقطات كأس العالم.
دموع إنجليزية وخيبة هولنديةوعاشت إنجلترا واحدة من أكثر لحظاتها تأثيرًا عندما خسر المنتخب أمام ألمانيا بركلات الترجيح في نصف النهائي، بينما خطف لاعب الوسط بول غاسكوين تعاطف الجماهير بعدما انهار باكياً إثر حصوله على إنذار كان سيحرمه من خوض النهائي لو تأهل منتخب بلاده.
وفي المقابل، خيبت هولندا آمال جماهيرها على الرغم من امتلاكها كوكبة من النجوم، حيث ودعت البطولة مبكراً وسط خلافات داخلية أثرت على استقرار المنتخب وأدائه.
نسخة لا تُنسى على الرغم من الانتقاداتوعلى الرغم من الانتقادات الفنية التي لاحقت مونديال إيطاليا 1990 بسبب قلة الأهداف والأسلوب الدفاعي؛ فإن البطولة بقيت واحدة من أكثر النسخ رسوخًا في الذاكرة الجماعية لعشاق كرة القدم.
فبين أجواء الأوبرا الإيطالية الساحرة، ودموع مارادونا، وتألق سكيلاتشي، ومغامرة الكاميرون التاريخية، وتتويج ألمانيا بلقبها الثالث، كتب مونديال 1990 فصلًا استثنائيًا ظل حاضرًا في ذاكرة اللعبة حتى اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك