القصاص العادل شرط السلم الأهليفي سوريا، لم تكن المأساة دائما تنتظر أبناءها عند الباب، وأحيانا كان الباب نفسه شاهدا على اختفاء العائلة كلها: أم وأب وأطفال.
تبقى الصور، وتبقى الأسماء، ويبقى السؤال يلاحق الزمن: من قتلهم؟ ومن ظن أن الحقيقة ستدفن معهم؟قضية الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها الستة ليست مجرد خبر جديد في سجل الجرائم السورية، بل هي مرآة لسنوات طويلة حول فيها نظام الأسد البائد الدولة إلى آلة قتل وإخفاء وتعذيب وتشبيح وابتزاز.
إن ما ظهر من خيوط جديدة حول هذه الجريمة يعيد إلى الواجهة سؤال العدالة: متى يرى أهالي الشهداء والمفقودين قاتلي أبنائهم أمام القضاء؟ ومتى يعلم كل قاتل ومعذب ومخبر وشبيح أن الدم لا يضيع، وأن الجريمة لا تدفن بتقادم السنين؟القصاص العادل من القتلة ليس انتقاما ولا تشفيا، بل حكم رباني شرعه الله لحفظ الحياة وردع المجرمين وشفاء صدور المظلومين.
قال تعالى: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون).
فمن ثبتت عليه جريمة قتل أو تعذيب أو خطف أو إخفاء أو مشاركة في مجزرة، فلا مكان له إلا أمام محكمة عادلة علنية، تعرض فيها الأدلة، وتسمع فيها الشهادات، ثم يقام عليه الحكم الذي يستحقه بعد ثبوت جرمه.
ينبغي أن تدرس هذه الورشات أسئلة صعبة وصريحة: كيف نمنع إعادة إنتاج التشبيح؟ كيف نكسر شبكات الولاء للقاتل؟ كيف نعيد بناء المناهج على تعظيم حرمة الدم وكرامة الإنسان؟لقد ربى النظام البائد أدواته على أن الولاء للطاغية فوق حرمة الدم، وأن التشبيح رجولة، والوشاية ذكاء، وقتل الأبرياء بطولة.
لذلك، لا يجوز أن تكون المحاسبة شكلية أو انتقائية.
فلا يكفي اعتقال بعض المنفذين الصغار وترك الرؤوس التي أمرت وخططت ومولت وحرضت.
المطلوب محاكمات كبرى، وملفات اتهام موثقة، وكشف مصير المفقودين، وفتح المقابر الجماعية وفق معايير جنائية، وحماية الشهود، وملاحقة القتلة داخل سوريا وخارجها.
لكن القصاص العادل لا يعني القتل خارج القضاء، ولا الانتقام الفردي، ولا العقاب الجماعي.
فالمجرم يحاسب باسمه وفعله ودليله، لا بنسبه ولا بمنطقته ولا بطائفته.
ومن لم يقتل ولم يعذب ولم يشارك في الجريمة، فلا يجوز ظلمه أو تحميله وزر غيره.
فالعدل الذي نطلبه للضحايا لا يجوز أن يتحول إلى ظلم للأبرياء، وإلا ضاعت حقيقة القضية، وأعطي خصوم العدالة ذريعة لتشويهها.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز تجاهل البيئات التي استغلها النظام لعقود وربطها بالخوف والسلاح والامتيازات الأمنية والولاء الأعمى.
فهذه البيئات تحتاج إلى معالجة وطنية عميقة، لا إلى شعارات عابرة ولا إلى انفعال مؤقت.
فالمشكلة ليست أمنية فقط، بل تربوية وفكرية واجتماعية أيضا.
لقد صنع النظام ثقافة كاملة تقوم على تمجيد القوة الغاشمة، واحتقار الضحية، وتبرير الجريمة ما دامت في خدمة الحاكم.
من هنا تقع المسؤولية على وزارة العدل ووزارة الداخلية، لكنها لا تقف عندهما.
بل يجب أن تشارك وزارة التربية، ووزارة التعليم العالي، ووزارة الأوقاف، ومؤسسات العدالة الانتقالية، والجامعات، والهيئات الاجتماعية والدعوية، في مشروع وطني واسع لمعالجة جذور التشبيح.
والمطلوب عقد مؤتمر وطني تتفرع عنه ورشات عمل متخصصة، يشارك فيها علماء شرعيون، وقضاة، وتربويون، وخبراء اجتماع وعلم نفس وأمن، وممثلون عن الضحايا.
ينبغي أن تدرس هذه الورشات أسئلة صعبة وصريحة: كيف نمنع إعادة إنتاج التشبيح؟ كيف نكسر شبكات الولاء للقاتل؟ كيف نعيد بناء المناهج على تعظيم حرمة الدم وكرامة الإنسان؟ كيف نفتح أبواب الدعوة والهداية لمن لم تتلطخ يده بالدماء؟ كيف نميز بين المجرم الذي يجب أن يحاكم، وبين الجاهل أو المخدوع أو الخائف الذي يحتاج إلى إصلاح وتوجيه؟ وكيف نمنع بقاء تجمعات مغلقة أمنيا تتحول مع الوقت إلى قنابل موقوتة تهدد السلم الأهلي؟وقد تطرح حلول كثيرة في هذا الباب، وكلها تحتاج إلى دراسة علمية وقانونية وشرعية، لا إلى قرارات مرتجلة.
ومن هذه الحلول: نشر العلم الشرعي الصحيح، وإرسال دعاة مؤهلين، وتقوية الخطاب الوطني الجامع، وإعادة بناء المدارس والمناهج، وتفكيك شبكات السلاح والتشبيح، ومنع عودة الميليشيات، ومراقبة العناصر الخطرة قانونيا، وإعادة توزيع الوظائف الأمنية والعسكرية على أسس وطنية لا طائفية.
إننا لا ندعو إلى معاقبة جماعة، بل إلى محاسبة المجرمين.
ولا ندعو إلى ظلم الأبرياء، بل إلى حماية المجتمع من القتلة.
ولا ندعو إلى الانتقام، بل إلى القصاص العادل.
ولا ندعو إلى الفوضى، بل إلى دولة تعرف أن السلم الأهلي لا يبنى بالعفو المجاني عن الجلادين، ولا بالنسيان القسري، ولا بتسكين آلام الضحايا بالتصريحات.
القصاص العادل من القتلة ليس انتقاما ولا تشفيا، بل حكم رباني شرعه الله لحفظ الحياة وردع المجرمين وشفاء صدور المظلومينإن العدالة الانتقالية إذا بقيت بطيئة أو غامضة، فإنها تمنح فلول النظام وشبكات التشبيح والمخدرات فرصة للعودة، وتدفع أهالي الضحايا إلى فقدان الثقة بالقضاء.
لذلك فإن الإسراع في المحاسبة العلنية ضرورة لحفظ الأمن ومنع الفوضى، لا ترفا سياسيا ولا مطلبا عاطفيا.
قضية الدكتورة رانيا العباسي وزوجها وأطفالها يجب أن تكون بداية لا نهاية؛ بداية لمحاكمات كبرى، وبداية لكشف مصير المفقودين، وبداية لتفكيك شبكات التشبيح، وبداية لمشروع تربوي ودعوي واجتماعي يعالج جذور الجريمة لا مظاهرها فقط.
لن تعود رانيا، ولن يعود زوجها، ولن يعود أطفالها الستة.
لكن العدالة تستطيع أن تمنع قاتلا آخر من أن يمد يده إلى طفل آخر، وأن تقول لكل جلاد: انتهى زمن الإفلات من العقاب.
القصاص العادل من القتلة ليس انتقاما ولا تشفيا، بل حكم رباني شرعه الله لحفظ الحياة وردع المجرمين وشفاء صدور المظلومين.
فمن ثبتت عليه جريمة قتل أو تعذيب أو خطف أو إخفاء أو مشاركة في مجزرة، فلا مكان له إلا أمام محكمة عادلة علنية، تعرض فيها الأدلة، وتسمع فيها الشهادات، ثم يقام عليه الحكم الذي يستحقه بعد ثبوت جرمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك