صدمة وسائل الإعلام والمعلقين في إسرائيل، ليس فقط بسبب التزام نتنياهو الصارم بأمر ترمب وقف ضرب الضاحية الجنوبية في لبنان، بل بسبب الألفاظ النابية التي كالها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لنتنياهو خلال مكالمة أمس، على خلفية اعتقاد ترمب أن نتنياهو يقوم بتخريب جهود وقف الحرب التي ورّط بها رئيس وزراء إسرائيل الرئيس الأميركي، لدرجة أن يضع مستقبله السياسي على المحك، هكذا تشي أرقام الاستطلاعات في الولايات المتحدة.
قبل هذه المكالمة نُشر الكثير عن خلافات بين نتنياهو وترمب، لكن ذلك كان في إطار مناورات متعددة وتوزيع أدوار، سواء مرتين لخداع حركة حماس لتوافق على تسليم أسرى، ومرة قبيل سفره للمنطقة العربية حتى لا يطالبه أحد بأي شيء من نتنياهو ليقول: " علاقتي مقطوعة معه" كما نشر آنذاك قبيل تلك الزيارة، ثم يستقبله استقبال الأبطال.
لكن هذه المرة الأمر مختلف، فقد تلقى الرئيس دونالد ترمب أكبر خديعه في حياته ستطيح بتاريخه ومستقبله على يد صديقه الحميم بنيامين نتنياهو، حين دفعه باتجاه تحقيق حلمه الشخصي بإسقاط النظام في إيران، وصور له الأمر مجرد نزهة ستنتهي خلال أيام، يدخل فيها ترمب الذي يتوق لتخليد اسمه في التاريخ من أوسع أبوابه، عندما يسقط نظام طهران بتلك البساطة، وليكون الرئيس الذي غير وجه العالم والمنطقة لعقود ويستولي على النفط والغاز الإيراني بلا متاعب.
ترمب صديق لنتنياهو، وكان مستعدًا للذهاب بعيدًا في تلك الصداقة، حد وضع ممكنات الدولة الأميركية بتصرف رئيس وزراء إسرائيل الذي وصفه بالبطل، لكن ليس للحد الذي يدفع فيه الثمن، إذ يمثل ترمب التجسيد الحقيقي للنظام الرأسمالي الأميركي في علاقاته، حتى مع الأصدقاء، حين يتعلق الأمر بمصالحه فإنه يدوس على أقربهم.
هكذا يفعل ترمب الذي يراقب أسعار المواد الاستهلاكية والبنزين والمزاج العام في أميركا وأرقام الاستطلاعات، ساعيًا لوقف هذا التدهور من خلال وقف الحرب بأية وسيلة، ليجيء نتنياهو أثناء هذا السعي محاولاً قلب الطاولة بعد أن هددت إيران بوقف المفاوضات.
حسب التسريبات قال ترمب لنتنياهو: " الجميع يكرهك.
الجميع يكره إسرائيل بسبب هذا".
وهذا أصدق ما قاله الرئيس ترامب الذي تسقط منه الكلمات على سجيتها، فالجميع يكره اسرائيل لأنها تسببت في حريق هائل في المنطقة، أدى إلى أزمة كونية في أسعار الطاقة وأدخل الاقتصاد العالمي في مأزق شديد، ولا يبدو أن من السهل الخروج منه.
كل هذا بسبب نزعة شريرة لدى دولة صغيرة جدًا تحلم بأن تصبح امبراطورية الشرق، ورئيس وزراء مصاب بجنون العظمة دفع العالم إلى حافة الهاوية عندما استغل جهل رئيس أميركي بعالم السياسية، ليقوم بتحريضه على الهجوم دون أن يأخذ بعين الاعتبار مصالح العالم.
هكذا تنكشف إسرائيل كدولة شر مستعدة لحرق العالم من أجل مصلحتها، وتلك أخطر ما يكون، لذا تقتضي الضرورة بعد أن تنتهي هذه الحرب أن يشكل العالم لجنة فحص حول هذه الدولة، وما تسببته من كوارث وحروب وصراعات وأزمات وانهيارات اقتصادية.
فقد حاربت الفلسطينيين وسوريا ومصر ولبنان والأردن واليمن والعراق وإيران، والآن بشكل مباشر بفضلها حرب على الاقتصاد العالمي.
ما هذا؟ ألم يحن الأوان للجم هذه الدولة؟ ! ما ذنب المواطن الأميركي والفرنسي والبريطاني والألماني والإيطالي والصيني، وكل المواطنين في العالم ليدفعوا ثمن جنون إسرائيل ورئيس وزرائها؟ بل بات ذلك ضرورة تبدأ من إرغام إسرائيل على الحل مع الفلسطينيين والكف عن الطمع بما تبقى من أرضهم وأوهام تهجيرهم، هكذا يهدأ العالم.
لكن التاريخ لا يتحرك بلا معنى، ففي كل خطوة يسير تاركًا حكمة تضاف أو تؤكد نظريات السياسة لمن يصرون على عدم فهمها، فيصابون بالانكسار.
فالتاريخ تحركه عوامل القوة لا الأخلاق ولا المعايير، لكن تلك بحاجة لحسابات شديدة الذكاء، ومن لا يمتلكها يحترق بها، وخلاصتها أن للسلاح حدودًا، وحين يذهب أبعد من حدوده ينكسر، فقد كانت إيران أكثر ضعفًا قبل هذه الحرب على طاولة المفاوضات، وكان حزب الله قد تلقى ضربات مميتة تاركة للدولة اللبنانية نزع سلاحه، وكان لإسرائيل اليد الطولى قبل أن يصاب مشروع حربها الجديدة بالتعثر، وغضب ترمب الذي يرى إخفاقه غير المتوقع محاولاً الانسحاب من أحلام نتنياهو القاتلة.
في هذه الحرب تجاوز السلاح الإسرائيلي حدوده، واضعًا مستقبل نتنياهو عند النهاية، وحدث هذا أيضًا حين ذهب السلاح أبعد مما يجب مع هتلر قبل أن يسحقه التاريخ، وحدث مع صدام حسين قبل أن يخسر بلاده، وحدث هذا أيضًا مع حركة حماس حين ذهب السلاح أبعد مما يجب، لتخسر غزة وتتركها مجرد خرابة كبيرة.
هذا هو التاريخ، لا يحب العبث دومًا، ولا الجهل في استخدام السلاح لأن له حدودًا، من لا يدركها يسحقه ويلقي به على قارعته حاملاً أم الهزائم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك