في الـ11 من يوليو (تموز) المقبل في كانساس سيتي، هناك مباراة يتطلع إليها بحماسة كبيرة كثر ممن هم في أعلى هرم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا).
ويقال إن بارون ترمب أشار إليها أيضاً.
رسمياً هي مباراة الدور ربع النهائي بين الفائزين من المباراتين الـ95 والـ96، لكنها قد تتحول إلى أول مواجهة في تاريخ كأس العالم بين ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو.
فإذا تصدرت الأرجنتين والبرتغال مجموعتيهما وواصلتا التقدم في البطولة، فسيكون هذا هو الموعد الذي يجمعهما أخيراً، بعد خمس نسخ من كأس العالم منذ ظهورهما الأول في مونديال 2006، وبعد 48 مباراة خاضاها مجتمعين في البطولة حتى الآن، مع فرصة لصناعة المزيد من التاريخ والانضمام إلى صفوف الخالدين.
وقد تكون المرة الأولى هي الأخيرة أيضاً، إذا كانت هذه بالفعل آخر مشاركة للثنائي في كأس العالم.
مواجهة تاريخية محتملة بين ميسي ورونالدو في كأس العالمومن الطبيعي أن تقدم المباراة على أنها المواجهة الكبرى، واللقاء الذي يضع حداً لكل المواجهات، والنتيجة التي تنهي كل الجدل.
لكن وبقدر ما سيسيل لعاب (فيفا) وكثير من الجهات الأخرى تجاه الإمكانات التجارية الهائلة لهذه المباراة، فإن هذا السيناريو يحمل بالقدر نفسه إمكان إظهار سبب وجوب أن يكون اللاعبان قد أنهيا مسيرتيهما قبل ذلك.
هذا إذا وصلا إلى هذه المرحلة أصلاً.
وفي جميع الأحوال، يصعب عدم الشعور بأن أي" جدال" قد حسم بالفعل مع فوز ميسي بكأس العالم في 2022.
فقد حمل مشوار الأرجنتين في قطر شيئاً من السحر النادر، وزخماً عاطفياً استثنائياً غذته الرغبة الجارفة في رؤية ميسي يحقق أخيراً لقب كأس العالم.
ولا يبدو أن المنتخب البرتغالي يشعر بالقدر نفسه تجاه رونالدو، وهو أمر زاد وضوحاً بفعل الجدل المستمر منذ ما لا يقل عن ست سنوات حول ما إذا كان وجوده بات يعوق الفريق.
وهل يمكن أصلاً للاعبين مخضرمين يلعبان في الدوري الأميركي والدوري السعودي أن يكون لهما تأثير يقترب من ذلك الذي أحدثه ميسي وهو في الـ35 من عمره في 2022؟سيبدو الأمر أقرب إلى مواجهة فلويد مايويذر جونيور وماني باكياو في أواخر مسيرتيهما، منه إلى محمد علي وجو فريزر في نزالهما الثالث الشهير.
بل إن حدوث هذه المباراة سيحمل دلالة رمزية على كأس العالم الحالية واتجاه اللعبة اليوم، إذا انصب هذا القدر الهائل من التركيز على لاعبين اثنين، بينما قد يكون تأثيرهما الفعلي على رفع الكأس محدوداً نسبياً.
لذا يبدو أن الشهرة فوق كرة القدم نفسها.
القيمة التجارية والشهرة تتفوقان على المستطيل الأخضرومع ذلك فقد أدت هذه الشهرة دوراً هائلاً في نشر اللعبة داخل أميركا، نظراً إلى الجاذبية الثقافية لشخصيتين قد تكونان من أكثر الأشخاص شهرة على وجه الأرض.
أم أن هذا الحكم قاسٍ أكثر من اللازم، إذا ما أخذنا في الاعتبار أن مجرد وجودهما في البطولة بهذا العمر يعد إنجازاً في حد ذاته، ناهيك بمباراة قد تحسم التأهل لنصف النهائي؟فاللاعبان يتجاوزان الآن أرقام لوثار ماتيوس ورافائيل ماركيز ليخوض كل منهما كأس العالم للمرة السادسة.
وهذا العمر الرياضي غير المسبوق ليس سوى طريقة أخرى غيرا بها العالم.
وعلى رغم من بعض السخرية من السهولة التي يتحرك بها ميسي حالياً في الدوري الأميركي، فإن ديفيد بيكهام، المعروف بكونه مثالاً للاعب المجتهد، قال إنه" اندهش" من الاحترافية الفائقة للأرجنتيني في إنتر ميامي.
فميسي مهووس بـ" كل تفصيل".
وهذه صفات ارتبطت طويلاً برونالدو أكثر من غيره، وهو ما يظهر ربما كيف أثر كل منهما في الآخر بقدر تأثيرهما في اللعبة نفسها.
وإذا كانت مشاركتهما في بطولات أقل تنافسية على طرفي العالم قد خففت من حدة التنافس بينهما، فإن تلك النار ستشتعل مجدداً إذا بدت إمكان إقامة هذا الدور ربع النهائي واقعية.
وقد امتد هذا التأثير إلى أماكن أخرى.
فميسي ورونالدو ليسا سوى المثالين الأشهر على عدد من النجوم الكبار الذين تحدوا المعايير التقليدية للعمر في كرة القدم.
فظهور روجيه ميلاً وهو في الـ38 من عمره في مونديال إيطاليا 1990 يبدو اليوم أمراً عادياً نسبياً عندما يكون لديك لوكا مودريتش ومانويل نوير في الـ40.
وإذا أردنا توسيع القائمة لتشمل لاعبين يرفضون الاعتراف بأن قدراتهم ربما تراجعت، فهناك محمد صلاح البالغ من العمر 33 سنة، وخاميس رودريغيز البالغ 34 سنة، وربما الأكثر إثارة للاستغراب، نيمار البالغ 34 سنة أيضاً.
طول العمر الرياضي يغير معايير كرة القدم الحديثةوبالطبع فإن كثيراً من ذلك يبعث على الإعجاب.
فمثل هذا الاستمرار لا يصبح ممكناً إلا بفضل الاحترافية الحديثة الفائقة، وكذلك الروح التنافسية الشديدة التي أطلقها عصر ميسي ورونالدو.
لكن النتيجة الطبيعية لذلك هي تضخم النزعة الفردية، التي غذتها أكثر الإمبراطوريات التجارية التي بنيت حول مثل هؤلاء اللاعبين.
إنهم يواصلون مسيراتهم الكروية، لكنهم يواصلون أيضاً تشغيل أعمالهم التجارية.
وأين أفضل من المركز التجاري العالمي؟ إنها البطولة التي انتظروها طويلاً، كأس عالم في أميركا.
ومن الطبيعي أن يصروا جميعاً على اللعب.
وقد أمضى كل من ميسي ورونالدو وقتاً في البيت الأبيض.
فميسي زاره بعدما فاز إنتر ميامي بلقب الدوري الأميركي للمرة الأولى، بينما حضر البرتغالي بدعوة من دونالد ترمب إلى مأدبة عشاء تكريماً لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
ذلك هو العالم الذي يتحركان فيه اليوم، بينما يفرضان هيمنتهما أيضاً على أجزاء أقل بريقاً من عالم كرة القدم.
واحتفل رونالدو بأول ألقابه في الدوري السعودي للمحترفين، مما أضفى قدراً من التماثل قبل هذه المواجهة المحتملة.
وقد أثير كثير من الحديث حول منشوره الاحتفالي على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي اقتصر على صور لرونالدو وحده.
وتعكس عبارة ترددت أخيراً في أوساط كرة القدم النبرة نفسها.
لقد نجح صلاح في إخفاء شخصيته النجمية المتعالية طوال المدة التي نجح فيها ميسي في ذلك.
وهذا يثير سؤالاً مشروعاً حول مدى تأثير هذه النزعة الفردية التنافسية حالياً في قدرة فرقهم على المنافسة.
فباتت الفرق مضطرة إلى التكيف معهم بدلاً من الاستفادة من قدراتهم لتعزيز أدائها.
المنتخبات بين الوفاء للنجوم ومتطلبات المنافسةأما بالنسبة إلى ميسي، فالوضع مختلف قليلاً، نظراً إلى أنه ما زال هداف تصفيات أميركا الجنوبية.
لكن القضية هنا تتعلق أكثر بكونه نموذجاً لفريق أرجنتيني يعد متقدماً في العمر بصورة ملحوظة.
فحامل اللقب يعد من أبرز المرشحين بعدما تصدر تصفيات أميركا الجنوبية وحقق ثلاثة ألقاب دولية متتالية، لكن كل عناصر السقوط المفاجئ موجودة.
وكأن الفريق يقع في الفخ الذي سقط فيه كثير من الأبطال السابقين، من خلال الإصرار على الاعتماد على العمود الفقري نفسه، على رغم أن الطاقة الحاسمة التي صنعت الفارق بدأت تتبدد حتماً.
أما منتخب البرتغال فيكاد يكون النقيض تماماً.
فهو يضم مجموعة من اللاعبين المميزين في ذروة عطائهم، من روبن دياز إلى فيتينيا إلى أن تصل إلى الخط الأمامي.
وكثيراً ما ساد شعور داخل المنتخب البرتغالي بأنه أكثر تحرراً ويمتلك قدراً أكبر من العفوية والإثارة عندما لا يكون رونالدو موجوداً.
ومع ذلك، لا يقول أحد ذلك صراحة، لا في العلن ولا في السر.
فقد يبدو برونو فيرنانديز وبرناردو سيلفا أفضل بكثير من دون اللاعب البالغ من العمر 41 سنة، لكنهما لن يتحدثا عنه إلا بكل احترام.
وما زال شعور الامتنان قائماً، على رغم تصاعد الجدل حول مدى استحقاق رونالدو لمكانه في الفريق.
ولهذا السبب لن يتحرك روبرتو مارتينيز لاستبعاده.
وكل ذلك على رغم أنه من الصعب تصور أن يتمكن أي من النجمين من إحداث تأثير يقترب مما كانا يقدمانه في الماضي.
فاللاعبون الجدد المؤثرون هم من سيستفيدون من العالم الذي صنعاه، وخصوصاً من القيمة التجارية للنجوم.
مبابي ويامال وهالاند يرثون عصر الأسطورتينبفضل رونالدو وميسي تحديداً، جرى التخطيط لمسيرة كيليان مبابي بطريقة لم يحظَ بها أي لاعب من قبل.
فقد كانت لدى دائرته المقربة خطط طويلة الأمد لصياغة" قصته"، لكن كرة القدم لا تزال قادرة على سلوك طرق غير متوقعة، كما يعرف ميسي ورونالدو جيداً من خلال تجاربهما في كأس العالم.
وحتى قبل أن يبلغ مستواهما، بدأ مبابي يواجه من يهددون مكانته.
فإيرلينغ هالاند حقق أرقاماً تشبه أرقام رونالدو، بينما يتحدث بعض المنافسين عن لامين يامال بوصفه" أفضل من ميسي في العمر نفسه"، بل إن هؤلاء اللاعبين قد يتفوقون على الثنائي العظيم عبر تقديم نسخ مهيمنة من كأس العالم في سن مبكرة من مسيرتهم، حتى لو أن حقيقة أن ميسي ورونالدو حققا كل شيء تقريباً هي ما تخلق ضغطاً خاصاً لإنجاز شيء يميزهما عن الجميع.
فمن يستطيع منافستهما بخلاف ذلك؟ومع ذلك، يبقى طول العمر الرياضي هو السمة التي تميزهما عن الجميع.
وبقدر ما يبدو مغرياً التقليل من شأن هاتين الأسطورتين في هذا العمر، فإن العالم قد ينحني لهما مرة أخرى.
فالمباريات البطيئة الإيقاع تحت حرارة خانقة قد تناسب لحظات فردية حاسمة.
وهما لا يزالان قادرين على صناعة مثل تلك اللحظات.
وربما لا تزال هناك لحظة كبيرة أخيرة بانتظارهما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك