عبدالله بن حمد العطية.
رجل آمن بالحلم فصنع تاريخاًعندما يُكتب تاريخ الرياضة القطرية فإن بعض الأسماء لا تُذكر بوصفها شخصيات رياضية فحسب، بل باعتبارها جزءًا من قصة بناء الوطن ومؤسساته.
ومن بين تلك الأسماء يبرز المغفور له بإذن الله سعادة عبدالله بن حمد العطية، أحد رواد الحركة الرياضية القطرية، وأحد الرجال الذين ارتبط اسمهم ارتباطًا وثيقًا بنشأة نادي السد وتحوله من فكرة شبابية بسيطة إلى صرح رياضي يُعد اليوم من أكبر الأندية في القارة الآسيوية.
بدأت القصة في أواخر ستينيات القرن الماضي عندما اجتمع عدد من شباب منطقة السد حاملين حلم تأسيس نادٍ يمثل منطقتهم.
وكان المغفور له من أكثرهم إيمانًا بالفكرة وإصرارًا على تحقيقها، ورغم أن محاولات التأسيس الأولى قوبلت بالرفض بسبب صغر سن أصحاب المشروع، فإن ذلك لم يثنهم عن مواصلة السعي حتى حصلوا على الموافقة الرسمية، لتنطلق رحلة نادي السد عام 1969.
وقبل تأسيس النادي مارس العطية كرة القدم ضمن (فريق السليمي) الذي كان يخوض مبارياته مع فرق مختلفة داخل البلاد.
إلا أن شغفه لم يكن مقتصرًا على المستطيل الأخضر، بل كان مُنصبًّا على بناء كيان رياضي يخدم الأجيال المقبلة، ولهذا كان يصف نفسه لاحقًا بأنه" أصغر لاعب معتزل في العالم" بعدما ترك ممارسة كرة القدم وهو في السابعة عشرة من عمره ليتفرغ لإدارة النادي والعمل على تأسيسه.
ولم تكن البدايات سهلة، فقد واجه المؤسسون تحديات كبيرة في زمن كانت فيه الرياضة لا تحظى بالاهتمام الذي تحظى به اليوم، وكانت الموارد والإمكانات المتاحة محدودة مقارنة بما هو متوفر حاليًا، ما جعل نجاح المشروع يعتمد بدرجة كبيرة على جهود المؤسسين وحماسهم، وتشير الروايات إلى أن المغفور له كان يتنقل بنفسه بين مناطق الدوحة المختلفة لجمع اللاعبين وإيصالهم إلى التدريبات والمباريات إلى جانب متابعته للشؤون الإدارية للنادي.
كما اعتمد المؤسسون على جهودهم الذاتية، فيما كان اللاعبون يدفعون رسوم اشتراك للمساهمة في استمرار النشاط الرياضي.
أما الدعم الرسمي فلم يتجاوز في بداياته 150 ريالا، وكان يخضع لمتابعة دقيقة، الأمر الذي جعل روح التطوع والانتماء هي المحرك الحقيقي للمشروع.
ورغم هذه الظروف نجح سعادة عبدالله بن حمد العطية ورفاقه في وضع الأسس التي قامت عليها واحدة من أنجح المؤسسات الرياضية في قطر.
ومنذ سنواته الأولى أظهر العطية موهبة إدارية استثنائية فتولى مسؤوليات قيادية مبكرًا وأصبح من أصغر الإداريين في تاريخ الرياضة القطرية.
وأسهمت خبراته التعليمية والحياتية في صقل شخصيته القيادية، لتنعكس رؤيته على مسيرة نادي السد الذي أصبح أحد أهم روافد الكرة القطرية بالمواهب والنجاحات والبطولات.
ولم تتوقف إسهامات عبدالله بن حمد العطية رحمة الله عليه عند حدود الرياضة، بل امتدت إلى قطاعات وطنية إستراتيجية أسهمت في مسيرة التنمية الحديثة لدولة قطر.
ومن أبرز تلك الإسهامات مشاركته في تأسيس شركة الاتصالات القطرية" كيوتل" المعروفة اليوم باسم" أريدُ" فقد كان ضمن الفريق الذي أسهم في بناء هذا الكيان الوطني ووضع أسسه الأولى في مرحلة كانت قطر تعمل فيها على تطوير بنيتها التحتية في قطاع الاتصالات.
ومن المواقف التي كان يرويها الراحل، أنه أثناء توقيع الاتفاقية الخاصة بخروج الشركة البريطانية التي كانت تدير قطاع الاتصالات آنذاك، سأله أحد مسؤوليها: " هل تعلم ماذا يقولون في بريطانيا؟ " وعندما أجابه بالنفي، قال المسؤول: " يقولون إننا فقدنا آخر دجاجة تبيض ذهبًا".
وهي عبارة تعكس الأهمية الاقتصادية التي كانت تمثلها قطر آنذاك، كما تعكس النظرة المتفائلة لمستقبل الدولة.
ولعل هذه التجربة تختصر جانبًا مهمًّا من شخصية عبدالله بن حمد العطية، فهو الرجل الذي آمن ببناء المؤسسات سواء كانت ناديًا رياضيًا أصبح رمزًا للكرة القطرية، أو شركة وطنية تحولت إلى واحدة من أبرز شركات الاتصالات في المنطقة، وفي الحالتين كان الهدف واحدًا: خدمة الوطن وصناعة مستقبل أفضل للأجيال القادمة.
برحيل عبدالله بن حمد العطية، فقدت قطر أحد رجالاتها الذين آمنوا ببناء المؤسسات وصناعة المستقبل، لكنه ترك إرثًا سيبقى حاضرًا في الرياضة والاقتصاد والتنمية، وشاهدًا على مسيرة رجل كان منشغلًا بصناعة الأثر.
أثرٌ ما زالت الأجيال تراه اليوم في كل نجاح حققته المؤسسات التي أسهم في بنائها، وفي كل قصة طموح بدأت بحلم وانتهت بإنجاز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك