وتزامن هذا الاهتمام مع إعلان إذاعة القرآن الكريم من القاهرة بدء بث “ختمة” مرتلة نادرة وجديدة للشيخ تعود إلى ستينيات القرن الماضي، ولم تُذع من قبل.
وأوضح إسماعيل دويدار، رئيس شبكة القرآن الكريم، أن هذه الختمة تأتي لإثراء الأثير بكنوز الجيل الذهبي، واصفاً إياها بـ “الهدية الاستثنائية” للجمهور، وهي بمثابة مصحف مرتل برواية “حفص عن عاصم” يُكشف عنه للمرة الأولى.
وسجل الشيخ المنشاوي هذا المصحف كاملاً عام 1965 بإجازة لجنة من كبار القراء، لكنه قرر إعادة تسجيل 32 شريطاً، من أصل 82، رغبة منه في مزيد من الإتقان، وهو ما وافقت عليه اللجنة وأجازته عام 1967.
وظلت هذه التسجيلات طي الكتمان منذ ذلك التاريخ، حتى بدأت الإذاعة بثها مؤخراً لتنال إعجاباً كبيراً من المستمعين.
وُلد “المنشاوي” في 20 يناير 1920 ببلدة “المنشية” التابعة لمحافظة سوهاج، جنوبي مصر، في بيت معروف بتلاوة القرآن، حيث جده ووالده من القرّاء المعروفين على نطاق الصعيد.
انتقل مع عمه إلى القاهرة بعد أن ختم القرآن في سن مبكرة.
التحق بسهرات التلاوة في رمضان وهو لا يزال طفلاً، وحصل على أول أجر في سن الحادية عشرة وكان 10 قروش، علمًا بأن الجنيه يتكون من 100 قرش.
ومنذ أن قدم أول سهرة تلاوة منفردًا وقع الجميع في أسر صوته مشدوهين لمسحة الحزن الصادق، الذي يخرج من قلبه فيصل إلى القلب دون واسطة، وهي السمة التي جعلته نسيجًا وحده، ومؤسس مدرسة فريدة في التلاوة لا تشبه الآخرين.
كان عازفًا عن الشهرة، حتى إنه زهد في اعتماد اسمه رسميًا كقارىء قرآن في الإذاعة، وهو ما كان يعد حلمًا يسعى إليه الجميع آنذاك.
اضطر مسؤولو الإذاعة إلى الذهاب إليه بمعداتهم الهندسية ليسجلوا تلاوته في واقعة هي الأولى من نوعها، إذ تطلب الإذاعة من قارئ القرآن أن تعتمده لديها وليس العكس.
وكان أول أجر حصل عليه من الإذاعة 12 جنيهًا عن تلاوة النصف الساعة.
وقبيل رحيله، في العام 1969، بلغ أجره 25 جنيهًا فقط.
ويروي أحفاده كيف كان شديد الاعتزاز بنفسه كقارئ لكتاب الله ولا يتودد لصاحب منصب أو جاه، حتى إنه عندما دعاه أحد الوزراء إلى التلاوة في حفل يحضره الرئيس جمال عبد الناصر وقال له: “سيكون لك عظيم الشرف”، أجابه قائلاً: “ولماذا لا يكون للرئيس الشرف بأن يستمع للقرآن بصوتي؟ ”.
وامتنع عن قبول الدعوة، وقال فيما بعد معقبًا على تلك الواقعة: “لقد أرسل لي عبد الناصر أسوأ رسول”.
حصل على الكثير من أوجه التكريم خارج مصر، مثل “النيشان الوطني” من إندونيسيا، وقرأ القرآن في المسجد النبوي، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى.
وقبيل وفاته، أُصيب بمرض في المريء وطالبه الأطباء بالامتناع عن التلاوة منعًا لإجهاد حنجرته فرفض بعناده “الصعيدي”، وخشوع قلبه، وروحانياته المحلقة، وظل يهدي الإنسانية واحدة من روائع التلاوة حتى لقي وجه ربه الكريم.
كان الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب مفتونًا بصوته، وحلل أسلوبه، قائلاً: “يمكن التعليق على أي قارئ من القرّاء إلا المنشاوي الذي يمثل حالة استثنائية يحار أمامها الذائق الفاهم، ومن يتأمل مخارج الحروف عنده يصعب أن يجد لها وصفًا، لما منحه الله من حنجرة رخيمة، ونبرة شجية تلين لها القلوب والجلود معا”.
وقال عنه الشيخ “ابن باز” كلمة جامعة مانعة شديدة البلاغة، عميقة الدلالة: “إذا أردت أن تستمع إلى القرآن كما نزل فاستمع إلى المنشاوي”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك