عمان– لم تعد الحلول القائمة على الطبيعة ترفا بيئيا في الأردن، بل تتحول تدريجيا إلى أحد المسارات العملية للتعامل مع تحديات تعد من الأكثر إلحاحاً، على رأسها شح المياه، وتزايد مخاطر التغير المناخي، والفيضانات المفاجئة، واتساع الجزر الحرارية في المدن، وتراجع المساحات الخضراء.
اضافة اعلانوأظهر تقرير المحلي أهمية توسيع نطاق الحلول القائمة على الطبيعة ودمجها بالتخطيط الحضري والبيئي، وتعزيز استخدام أدوات التخطيط المبنية على الأدلة والبيانات المكانية والنمذجة المناخية، وبناء قدرات البلديات والمجتمعات المحلية لتمكينها من تكرار التجارب الناجحة وتوسيعها.
ويؤكد أهمية إشراك المجتمعات المحلية بتصميم المشاريع وإدارتها، وضمان استفادة الفئات الأكثر هشاشة منها، إلى جانب زيادة الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية الخضراء وإدارة المياه واستعادة النظم البيئية باعتبارها أدوات رئيسة للتكيف المناخي والتنمية المستدامة.
ويرى معدو التقرير أن تحويل هذه المبادرات من مشاريع متفرقة إلى سياسات وطنية واسعة النطاق سيكون عاملاً حاسماً في تعزيز قدرة الأردن على مواجهة تحديات المياه والمناخ خلال العقود المقبلة.
ويكشف التقرير، الذي أعده برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) والبنك الإسلامي للتنمية، عن مجموعة من التجارب الأردنية التي تقدم نماذج متنوعة لاستثمار النظم البيئية والطبيعة في معالجة أزمات المياه والغذاء والتنمية الحضريةويرصد التقرير، الصادر أول من أمس، ستة نماذج رئيسة في الأردن، تمتد من إدارة المياه وإعادة استخدام المياه المعالجة إلى البنية التحتية الخضراء، والزراعة الحضرية، والغابات المصغرة، في وقت يصنف فيه الأردن بين أكثر دول العالم فقراً بالمياه.
وفي قطاع المياه، يبرز مشروع" المرونة" (Al Murunah) الذي نُفذ في وادي السير ضمن مشروع إقليمي شمل الأردن ومصر ولبنان وفلسطين.
ويهدف المشروع إلى تعزيز الأمنين المائي والغذائي عبر استعادة الينابيع وأنظمة الري الطبيعية، وتحسين إدارة الموارد المائية بالاعتماد على ما يعرف بالحلول المائية المرنة القائمة على الطبيعة، بما يرفع قدرة المجتمعات الزراعية على مواجهة الجفاف، وتدهور الأراضي والتقلبات المناخية.
وتشير النتائج إلى أن المنطقة العربية تواجه ضغوطاً متزايدة على مواردها المائية نتيجة تغير المناخ، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الطلب على المياه، الأمر الذي يجعل مثل هذه المشاريع أكثر أهمية في السنوات المقبل.
وفي وادي موسى، يقدم التقرير تجربة أخرى تعتمد على إعادة استخدام المياه المعالجة كأداة للتكيف مع التغير المناخي، وتعزيز الأمن الغذائي.
ويأتي المشروع ضمن برنامج" زيادة مرونة المجتمعات الفقيرة والهشة تجاه التغير المناخي" الذي تنفذه وزارة التخطيط والتعاون الدولي بدعم من صندوق التكيف المناخي.
واعتمد المشروع على استخدام المياه المعالجة في إنتاج الأعلاف، وزراعة النباتات الطبية والعطرية والمحلية، وإدخال ممارسات الزراعة الدائمة، وتحسين إدارة ملوحة التربة وشبكات الري.
كما وفر مصادر دخل إضافية للأسر المحلية، وساهم في تعزيز قدرة المجتمعات البدوية على التكيف مع آثار التغير المناخي وندرة المياه.
وفي العاصمة عمان، تتجه الحلول القائمة على الطبيعة لمعالجة مشكلة مختلفة تتمثل في الفيضانات المفاجئة التي باتت تتكرر بصورة أكبر مع التوسع العمراني السريع، وعدم كفاية شبكات تصريف مياه الأمطار.
ولهذا الغرض نفذ برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية بالتعاون مع أمانة عمان الكبرى مشروع" البنية التحتية الخضراء التجريبية" بين عامي 2020 و2022، بهدف تعزيز قدرة المجتمعات المحلية واللاجئين السوريين على مواجهة أخطار السيول.
وشمل المشروع تركيب أنظمة لحصاد مياه الأمطار في عدد من المواقع، وإنشاء حدائق مطرية تعمل على تخزين المياه، وترشيحها وتقليل الجريان السطحي، إلى جانب بناء قدرات المؤسسات والمجتمعات المحلية في إدارة مخاطر الفيضانات.
وبحسب التقرير، أسهم المشروع في تحسين الحماية من الفيضانات وتقليل هشاشة المجتمعات المحلية، وتعزيز جاهزية الجهات الحكومية والمجتمعية للتعامل مع المخاطر المناخية المتزايدة.
أما في شرق عمان، فقد ركز مشروع" تحسين ظروف المعيشة في المناطق الأقل حظاً" (ILCA)، الذي نفذته الوكالة الألمانية للتعاون الدولي بالشراكة مع وزارة البيئة، وأمانة عمان الكبرى، على تحويل المساحات المهملة إلى فضاءات عامة خضراء قادرة على تحسين البيئة الحضرية، والحد من آثار التغير المناخيوجاء المشروع استجابة لتحديات تعاني منها المنطقة، من بينها محدودية المساحات الخضراء، والتلوث الهوائي والحراري، وفقدان التنوع الحيوي وضعف الخدمات العامة.
وشملت التدخلات تطوير الساحات والأدراج والممرات، وتوسيع الأرصفة، وإعادة تأهيل الملاعب، وزراعة الأشجار والنباتات في المواقع المهملة، مع إشراك المجتمعات المحلية في التخطيط والتنفيذ.
ومن رحم هذا المشروع انطلقت مبادرة" الرئات الحضرية المصغرة" التي اعتمدت على منهجية" مياواكي" اليابانية لتحويل الجزر الوسطية والدوارات المرورية والمساحات غير المستغلة إلى غابات صغيرة كثيفة تساعد على خفض درجات الحرارة، وتحسين جودة الهواء، وتعزيز التنوع الحيوي.
كما رافقها تدريب للكوادر البلدية وحملات توعية مجتمعية حول أهمية البنية التحتية الخضراء.
وفي جانب الأمن الغذائي، يسلط التقرير الضوء على تجربة الحديقة المجتمعية في متنزه الملكة رانيا العبدالله بمنطقة القويسمة، والتي أُنشئت ضمن مشروع يستهدف تعزيز التنمية الحضرية المستدامة في المناطق المستضيفة للاجئين السوريين.
ويصف التقرير الحديقة باعتبارها نموذجاً لكيفية توظيف المساحات الخضراء متعددة الوظائف لتعزيز التماسك الاجتماعي وتوفير فرص التدريب المهني وتحسين القدرة على التكيف مع المناخ لكل من المجتمعات المضيفة واللاجئين.
كما استند تصميمها إلى مراجعة تجارب عالمية ومحلية بهدف تطوير نموذج قابل للتكرار في مناطق أخرى.
ويخلص التقرير إلى أن التجارب الأردنية تكشف قدرة الحلول القائمة على الطبيعة على التعامل مع مجموعة متشابكة من التحديات في وقت واحد، بدءاً من إدارة المياه ومكافحة الفيضانات، مروراً بتحسين جودة الحياة في المدن، وصولاً إلى دعم الأمن الغذائي وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود أمام التغير المناخي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك