شاعر لم يأت الزمان بمثله.
دوَّت قصائدُه جنبات الفضاء الرحب في أدبنا العربي.
نعم قد نال الغرور مناله الذى اقتضى منه.
واستطال علوا على شعراء العربية، لا في زمانه فحسب.
بل في كل الأزمان وليومنا هذا.
فماذا كان من خبره الذي حيَّر النقاد، والشعراء، وفرسان البيان؟هو أحمد أبو الطيب المتنبى، ولد بالكوفة سنة (915 م / 303 هـ) ونشأ في أسرة فقيرة، والتحق بمدرسة الكوفة، وتعلم فيها مذهب التشيع وشيئا من العلوم والفلسفة، ثم انتقل إلى الشام، وطاف به والده على القبائل في البادية، فتلقى عنها الفصاحة، وبرع في الشعر، واتصل بسيف الدولة الحمداني في أواخر سنة 320 هـ (932 م) ومكث بجواره حتى صار من خاصة شعرائه، ومدحه بقصائد رائعة سُميت (السيفيات).
عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ.
وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُوَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها.
وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُيُكَلّفُ سيفُ الدّوْلَةِ الجيشَ هَمّهُ.
وَقد عَجِزَتْ عنهُ الجيوشُ الخضارمُوَيَطلُبُ عندَ النّاسِ ما عندَ نفسِه.
وَذلكَ ما لا تَدّعيهِ الضّرَاغِمُوَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ.
كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُتَمُرّ بكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزيمَةً.
وَوَجْهُكَ وَضّاحٌ وَثَغْرُكَ باسِمُتجاوَزْتَ مِقدارَ الشّجاعَةِ والنُّهَى.
إلى قَوْلِ قَوْمٍ أنتَ بالغَيْبِ عالِمُوَلَسْتَ مَليكًا هازِمًا لِنَظِيرِهِ.
وَلَكِنّكَ التّوْحيدُ للشّرْكِ هَازِمُتَشَرّفُ عَدْنانٌ بهِ لا رَبيعَةٌ.
وَتَفْتَخِرُ الدّنْيا بهِ لا العَوَاصِمُلَكَ الحَمدُ في الدُّرّ الذي ليَ لَفظُهُ.
فإنّكَ مُعْطيهِ وَإنّيَ نَاظِمُوَإنّي لَتَعْدو بي عَطَايَاكَ في الوَغَى.
فَلا أنَا مَذْمُومٌ وَلا أنْتَ نَادِمُعَلى كُلّ طَيّارٍ إلَيْهَا برِجْلِهِ.
إذا وَقَعَتْ في مِسْمَعَيْهِ الغَمَاغِمُألا أيّها السّيفُ الذي لَيسَ مُغمَدًا.
وَلا فيهِ مُرْتابٌ وَلا منْهُ عَاصِمُهَنيئًا لضَرْبِ الهَامِ وَالمَجْدِ وَالعُلَى.
وَرَاجِيكَ وَالإسْلامِ أنّكَ سالِمُ.
ولازم سيف الدولة في حله وترحاله، ولكن أعداء المتنبي دسوا له عند سيف الدولة، فغضب عليه، بعدما لمح الغرور والكبرياء وقد طالا نفس المتنبي:أنَا الذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبي.
وَأسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُأنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا.
وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُوَجاهِلٍ مَدّهُ في جَهْلِهِ ضَحِكي.
حَتى أتَتْه يَدٌ فَرّاسَةٌ وَفَمُالخَيْلُ وَاللّيْلُ وَالبَيْداءُ تَعرِفُني.
وَالسّيفُ وَالرّمحُ والقرْطاسُ وَالقَلَمُصَحِبْتُ في الفَلَواتِ الوَحشَ منفَرِدًا.
حتى تَعَجّبَ مني القُورُ وَالأكَمُإذا تَرَحّلْتَ عن قَوْمٍ وَقَد قَدَرُوا.
أنْ لا تُفارِقَهُمْ فالرّاحِلونَ هُمُشَرُّ البِلادِ مَكانٌ لا صَديقَ بِهِ.
وَشَرُّ ما يَكسِبُ الإنسانُ ما يَصِمُ.
وخرج من الشام قاصدًا مصر، (957م / 346 هـ) ومدح ملِكَها (كافور الأخشيدي) ولم يظفر منه بما كان يرجوه من حظوة وقرب، فهجَاهُ قائلا:لا تَشْتَرِ العَبْدَ إلاّ وَالعَصَا مَعَهُ.
إنّ العَبيدَ لأنْجَاسٌ مَنَاكِيدُما كُنتُ أحْسَبُني أحْيَا إلى زَمَنٍ.
يُسِيءُ بي فيهِ عَبْدٌ وَهْوَ مَحْمُودُولا تَوَهّمْتُ أنّ النّاسَ قَدْ فُقِدوا.
وَأنّ مِثْلَ أبي البَيْضاءِ مَوْجودُوَأنّ ذا الأسْوَدَ المَثْقُوبَ مَشْفَرُهُ.
تُطيعُهُ ذي العَضَاريطُ الرّعاديدجَوْعانُ يأكُلُ مِنْ زادي وَيُمسِكني.
لكَيْ يُقالَ عَظيمُ القَدرِ مَقْصُودُوَيْلُمِّهَا خُطّةً وَيْلُمِّ قَابِلِهَا.
لِمِثْلِها خُلِقَ المَهْرِيّةُ القُودُوَعِنْدَها لَذّ طَعْمَ المَوْتِ شَارِبُهُ.
إنّ المَنِيّةَ عِنْدَ الذّلّ قِنْديدُمَنْ عَلّمَ الأسْوَدَ المَخصِيّ مكرُمَةً.
أقَوْمُهُ البِيضُ أمْ آبَاؤهُ الصِّيدُ.
وبعد أن طالت قصائده كافور الأخشيدي.
أقام في مصر عاما لا يأتي كافورا، ولكن يسير معه في الموكب لئلا يوحشه، وتذهب ظنون كافور مذاهبها، وفي الوقت نفسه يعمل في الخفاء ويدبر الأمر للرحيل عنه، فأعد الإبل وقرر التوجه إلى فارس( 354هـ / 965م ) بعد أن راسل من له هناك، لدى (عضُد الدولة ابن بويه).
وقبل رحيله بيوم كان يوم عرفة والعيد يليه، وكان عيدًا حزينًا عليه قد أتى، فقال قصيدته تلك:عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.
بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُأمّا الأحِبّةُ فالبَيْداءُ دونَهُمُ.
فَلَيتَ دونَكَ بِيدًا دونَهَا بِيدُلم يَترُكِ الدّهْرُ مِنْ قَلبي وَلا كبدي.
شَيْئًا تُتَيّمُهُ عَينٌ وَلا جِيدُماذا لَقيتُ منَ الدّنْيَا وَأعْجَبُهُ.
أني بمَا أنَا شاكٍ مِنْهُ مَحْسُودُأمْسَيْتُ أرْوَحَ مُثْرٍ خَازِنًا وَيَدًا.
أنَا الغَنيّ وَأمْوَالي المَوَاعِيدُإنّي نَزَلْتُ بكَذّابِينَ، ضَيْفُهُمُ.
عَنِ القِرَى وَعَنِ الترْحالِ محْدُودُجودُ الرّجالِ من الأيدي وَجُودُهُمُ.
منَ اللّسانِ، فَلا كانوا وَلا الجُودُما يَقبضُ المَوْتُ نَفسًا من نفوسِهِمُ.
إلاّ وَفي يَدِهِ مِنْ نَتْنِهَا عُودُأكُلّمَا اغتَالَ عَبدُ السّوْءِ سَيّدَهُ.
أوْ خَانَهُ فَلَهُ في مصرَ تَمْهِيدُصَارَ الخَصِيّ إمَامَ الآبِقِينَ بِهَا.
فالحُرّ مُسْتَعْبَدٌ وَالعَبْدُ مَعْبُودُنَامَتْ نَوَاطِيرُ مِصرٍ عَنْ ثَعَالِبِها.
فَقَدْ بَشِمْنَ وَما تَفنى العَنَاقيدُ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك