بين أروقة الكنائس المصرية العريقة، وتحت قبابها التي تحمل إرثاً يمتد لألفي عام، يتصاعد بين الحين والآخر غبار نقاش لاهوتي واجتماعي لا يهدأ حول دور المرأة في سدة الكهنوت والرسامة القسيسية.
لم يعد السؤال مجرد تساؤل عابر، بل تحول إلى ملف مؤسسي تديره المجامع والسنودسات برؤى متباينة؛ فبينما تتمسك الكنائس التقليدية (الأرثوذكسية والكاثوليكية) بإرث" الآباء" والترتيب الكتابى الذى يقصر الكهنوت على الرجال، تخوض الكنيسة الإنجيلية بمذاهبها المتعددة مخاضاً فكرياً يحاول الموازنة بين الحداثة والواقع الاجتماعي والتدقيق اللاهوتى.
هذا التقرير يستعرض المشهد الكنسي المصري الراهن، كاشفاً عن التيارات المتصارعة، والقرارات الحاسمة التي شكلت ملامح هذا الملف فى الآونة الأخيرة.
الكنيسة الإنجيلية المشيخية.
استراحة محارب وتأجيل لأجل غير مسمىوشهدت الأيام القليلة الماضية حراكاً كبيراً داخل أروقة" سينودس النيل الإنجيلي" (المجمع الأعلى للكنيسة الإنجيلية المشيخية)، حيث كان ملف رسامة المرأة قسيسة على رأس جدول الأعمال.
وفي خطوة وصفت بأنها" امتصاص لزخم الجدل"، أعلن القس رفعت فكرى، راعي الكنيسة الإنجيلية بروض الفرج، أن السينودس قرر غلق باب المناقشة في هذا الملف الأن.
هذا القرار لم يكن نابعاً من فراغ، بل جاء نتيجة تصويت بالأغلبية يعكس رغبة المؤسسة في الحفاظ على وحدتها وتجنب الانقسام، فالكنيسة الإنجيلية المشيخية، كما وصفها الدكتور القس أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية في مصر، تنقسم داخلياً إلى ثلاثة تيارات رئيسية:تيار الرفض المطلق: يرى عدم جواز رسامة المرأة لا من الناحية اللاهوتية (استناداً لتفسيرات نصوص بعينها) ولا من الناحية الاجتماعية.
التيار الوسطي: الذي يقبل الفكرة لاهوتياً، لكنه يخشى من تبعاتها الاجتماعية، مفضلاً التريث لحين نضوج الوعي المجتمعي.
التيار الإصلاحي: الذي يدفع بقوة نحو السيامة، معتبراً أن زمن التمييز قد ولى وأن كفاءة المرأة الروحية تؤهلها لمنصب" القسيس".
الكنيسة الأرثوذكسية.
" السيامة" للرجال و" التكريس" للمرأةوعلى الجانب الآخر، تبدو الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أكثر حسماً ووضوحاً في هذا الملف، منطلقة من جذور طقسية ولاهوتية ثابتة.
في مقال حديث لـ قداسة البابا تواضروس الثاني بمجلة" الكرازة"، وضع النقاط على الحروف فيما يخص" الدرجات الإكليروسية".
البابا أكد أن الكهنوت في الفكر الأرثوذكسي هو" دعوة إلهية" وليس وظيفة أو حقاً مدنياً يطالب به الفرد.
وأوضح بعبارات قاطعة أن:الدرجات الكهنوتية (شماس، قس، أسقف): هي حكر على الرجال وفقاً للتقليد الكتابى والآبائى.
دور المرأة: الكنيسة تقدر دور المرأة وتعظمه، لكنه يتبلور في" التكريس" (الخادمات المكرسات والعذارى) وليس في" السيامة" الكهنوتية.
وشدد البابا على أن الكنيسة لا تعرف مفهوم" الترقية"، بل" الخدمة والجهاد الروحي"، وأن شروط المتقدم للكهنوت تتضمن صراحة أن يكون" ذكراً"، وهو ما يغلق الباب أمام أي تأويلات حداثية تحاول تغيير النمط الطقسي المستقر منذ القرون الأولى.
الكنيسة الأسقفية.
الدور الرعوى بعيداً عن" المذبح"وأما الكنيسة الأسقفية في مصر، فتمسك بالعصا من المنتصف.
فرغم أن الكنائس الأسقفية فى دول الغرب (مثل إنجلترا وأمريكا) قد سمحت برسامة المرأة أسقفاً وقسيساً، إلا أن الكنيسة الأسقفية في مصر وإقليم الإسكندرية ما زالت تحتفظ بخصوصيتها الشرقية.
وتؤكد القيادات الأسقفية أن المرأة تمثل" نصف الكنيسة" ولها دور محوري في التنمية والخدمة الاجتماعية، وتقوم بأدوار" رعوية" هامة، لكنها لا تمنح رسامة كهنوتية (قسيسة) داخل القطر المصري حتى الآن، مراعاة للسياق الثقافي المحلي وللحفاظ على المسكونية مع الكنائس الشقيقة في المنطقة.
بين اللاهوت والواقع.
لماذا الجدل الآن؟ويعتبر الضغط نحو رسامة المرأة في الكنائس الإنجيلية متأثراً بالانفتاح العالمي وحركات حقوق المرأة، إلا أن" المطب" الحقيقي يكمن في" المجتمع".
فالدكتور القس أندريه زكي أشار بوضوح إلى أن المذاهب الإنجيلية ليست على قلب رجل واحد في هذا الأمر، فلكل مذهب" خصوصية تنظيمية".
إن حالة" الهدوء المؤسسي" التي تحرص عليها الكنيسة الإنجيلية تهدف لمنع تحول التباين الفكري إلى" صراعات" قد تؤدي لتفتت الطائفة.
فالتأجيل" لأجل غير مسمى" هو في الحقيقة رسالة مفادها أن الكنيسة ليست مستعدة بعد لدفع ضريبة التغيير الجذري في بنية السلطة الدينية.
يبقى ملف رسامة المرأة في الكنائس المصرية معلقاً بين نصوص لاهوتية تُفسر بطرق شتى، وبين واقع مجتمعي يرى في المرأة خادمة ومربية ومكرسة، لكنه لا يتقبلها" كاهنة" أو" قسيسة" تقود المذبح أو المنبر.
وبينما أغلقت الكنائس التقليدية أبوابها أمام هذا المقترح، تركت الكنيسة الإنجيلية الباب" موارباً" وإن كان معطلاً بقرار التأجيل، بانتظار لحظة تاريخية قد تأتي أو لا تأتي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك