أصبحت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة واحدة من أخطر ميادين الصراع غير التقليدي على تشكيل الوعي العام، بعدما تحولت من أدوات للتواصل وتبادل المعرفة إلى ساحات مفتوحة لحروب معلوماتية تعتمد على التأثير النفسي وبث الرسائل الموجهة وإعادة تدوير المحتوى بصورة منظمة.
وفي ظل هذا التحول، برزت ظاهرة استغلال هذه المنصات من قبل جماعات وتنظيمات تسعى إلى توظيف الفضاء الرقمي كأداة ضغط وتوجيه للرأي العام، وفي مقدمتها جماعة الإخوان الإرهابية التي تعتمد على أساليب معقدة لإدارة حملات تضليل ممنهجة.
الجماعة تعتمد على نشر المحتوى وإعادة إنتاجه عبر آلاف الحسابات الوهميةوتشير التحليلات الحديثة إلى أن هذه الجماعة لم تعد تعتمد على الخطاب التقليدي أو الوسائل الدعائية المباشرة، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر خطورة تقوم على بناء شبكات إلكترونية متداخلة تعمل بشكل متزامن على نشر المحتوى وإعادة إنتاجه عبر آلاف الحسابات الوهمية والصفحات الممولة وغير الحقيقية، بما يخلق حالة من الزخم المصطنع الذي يوهم المتابعين بوجود رأي عام واسع، بينما هو في الحقيقة نتاج هندسة رقمية دقيقة.
جماعة الإخوان الإرهابية طورت خلال السنوات الأخيرة منظومتها الإعلاميةوفي هذا السياق، أكد رشاد عبد الغني، الخبير السياسي، أن جماعة الإخوان الإرهابية طورت خلال السنوات الأخيرة منظومة إعلامية رقمية متكاملة تقوم على إدارة عمليات ممنهجة داخل الفضاء الإلكتروني، موضحًا أن هذه المنظومة لا تعتمد على الاجتهاد الفردي أو النشاط العشوائي، وإنما على بنية تنظيمية دقيقة تستخدم أدوات تكنولوجية متقدمة لإدارة المحتوى وتوجيهه وفق أهداف سياسية واضحة.
وأضاف عبد الغني أن هذه الشبكات الإلكترونية تعمل وفق ما يمكن وصفه بـ”الحرب الناعمة الرقمية”، حيث يتم توظيف البوتات الإلكترونية وأنظمة النشر الآلي والحسابات المجهولة في إعادة نشر الرسائل نفسها بصيغ متعددة وفي توقيتات متزامنة، بهدف خلق انطباع زائف بانتشار واسع لفكرة معينة أو حدث محدد، رغم أن هذا الانتشار يكون في كثير من الأحيان مصطنعًا بالكامل.
وأوضح أن الخطورة الحقيقية لهذه الأدوات تكمن في قدرتها على اختراق الإدراك الجمعي للمجتمعات، حيث يتم استهداف المستخدمين بمحتوى يبدو في ظاهره عفويًا، بينما هو في الواقع جزء من حملة منظمة تهدف إلى التشكيك وإثارة الانقسام ونشر الشكوك حول القضايا الوطنية والمؤسسات العامة، بما يخدم أجندات تلك الجماعة التي فقدت قدرتها على التأثير المباشر في الواقع السياسي.
وأشار الخبير السياسي إلى أن هذه الاستراتيجية تعتمد على عنصر التوقيت بشكل أساسي، حيث يتم ضخ المحتوى المضلل في لحظات حساسة ترتبط بأحداث سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، بهدف تضخيم ردود الفعل وإثارة حالة من الجدل المفتعل، وهو ما يخلق بيئة إعلامية مشوشة يصعب فيها التمييز بين الحقيقة والتضليل.
وأكد أن الجماعة تستهدف بشكل خاص فئة الشباب باعتبارها الأكثر استخدامًا لمنصات التواصل الاجتماعي والأكثر تفاعلًا مع المحتوى السريع والعاطفي، حيث يتم توظيف هذا التفاعل الطبيعي في تمرير رسائل مغلوطة أو مجتزأة من سياقها، بما يؤدي إلى تشكيل تصورات خاطئة لدى بعض الفئات حول الواقع السياسي والاجتماعي.
وأضاف أن خطورة هذه الحملات لا تقتصر على نشر الأخبار الكاذبة فقط، بل تمتد إلى التأثير على الثقة العامة في مصادر المعلومات الرسمية، وإضعاف قدرة المواطنين على التمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى الموجه، وهو ما يخلق حالة من الفوضى المعلوماتية التي تستغلها هذه الجماعات لتحقيق أهدافها.
وأوضح عبد الغني أن ما يجري على منصات التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد نشاط دعائي، بل تحول إلى ساحة صراع رقمي متكامل تستخدم فيه أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل البياني وإدارة الحسابات الوهمية، بهدف صناعة واقع افتراضي موازٍ للواقع الحقيقي، بما يخدم محاولات إعادة إنتاج النفوذ السياسي لتلك التنظيمات عبر الفضاء الإلكتروني.
وشدد على أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا شاملًا يجمع بين تطوير أدوات الرصد الرقمي لدى المؤسسات المعنية، وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة المحتوى المضلل، إلى جانب دعم مبادرات التحقق من المعلومات، بحيث يصبح المستخدم نفسه خط الدفاع الأول أمام هذه الحملات المنظمة.
واعتبر أن معركة الوعي في العصر الرقمي لم تعد معركة هامشية، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من معارك الحفاظ على استقرار الدول، خاصة في ظل التطور المتسارع في أدوات النشر الإلكتروني وقدرة هذه الأدوات على الوصول إلى ملايين المستخدمين خلال دقائق معدودة.
كما أشار إلى أن استمرار هذه الجماعة في استخدام الشبكات الإلكترونية كوسيلة لإعادة إنتاج خطابها السياسي يعكس حالة من العجز عن التأثير الواقعي المباشر، مما يدفعها إلى الاعتماد على الفضاء الرقمي كبديل استراتيجي لمحاولة البقاء داخل المشهد العام، رغم التراجع الواضح في قدرتها على الحشد أو التأثير على الأرض.
وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى وعي جماعي أكثر صلابة، وإلى إدراك أن ما يتم تداوله عبر بعض المنصات ليس دائمًا انعكاسًا للحقيقة، بل قد يكون جزءًا من منظومة منظمة تستهدف إعادة تشكيل الإدراك العام وإرباك المجتمعات عبر أدوات رقمية متقدمة، وهو ما يجعل التصدي لهذه الظاهرة مسؤولية مشتركة بين المؤسسات والأفراد على حد سواء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك