داخل بيت بسيط في محافظة المنوفية امتلأ بنور القرآن قبل أن يمتلئ بالبشر، بدأت رحلة الحاجة وفاء، السيدة التي لم تبحث يومًا عن شهرة أو تقدير، لكنها حملت في قلبها حلمًا واحدًا ظل يكبر عامًا بعد عام: أن يتعلم الناس كتاب الله ويحفظوه.
قصة الحاجة وفاء مع دار حفظ القرآن الكريمفي أحد أركان منزلها، جلست الحاجة وفاء لسنوات وهي تشاهد الأطفال والشباب وهم يتعلمون تلاوة القرآن الكريم، يحيط بها عدد قليل من الدارسين يحملون مصاحفهم ويصغون إلى كلماتها.
كانت البداية متواضعة، لكن النية كانت كبيرة، وكانت تردد دائمًا: «نفسي الناس كلها تتعلم القرآن».
ومع مرور الوقت، لم يعد المكان الصغير قادرًا على استيعاب الأعداد المتزايدة من الراغبين في الحفظ والتعلم، فتحول الكُتاب البسيط إلى صرح أكبر، ثم إلى مؤسسة متخصصة في تعليم القرآن الكريم، وعندما وجدت الحاجة وفاء أن رسالتها تتسع يومًا بعد يوم، اتخذت القرار الأهم في حياتها، فتبرعت بما تملك في سبيل استمرار هذا الخير.
وروت الحاجة وفاء تفاصيل تلك الخطوة بعد عودتها لمطار القاهرة قائلة: «في البداية خصصت دورًا واحدًا من البيت للمؤسسة، لكن بعد زيارة الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، للمكان وتشجيعه لنا، شعرت ببركة كبيرة ودافع أقوى للاستمرار، فقررت التبرع بالبيت كله للمؤسسة، خصوصًا أن أعداد الدارسين كانت في زيادة مستمرة، والناس بقت تيجي من أماكن مختلفة عشان تتعلم كلام ربنا».
عتبة السيد البدوي.
حكاية نذر وشفاءوفي سجل حياة الحاجة وفاء محطات كثيرة ارتبطت بالعطاء والصدقة، كان أبرزها ما اعتادت عليه عند مسجد السيد البدوي، حيث واظبت على إعداد الطعام وتوزيعه على المترددين على المسجد، وفاءً لنذر قطعته على نفسها في فترة مرض ابنها.
وبصوت يملؤه الامتنان، تستعيد تلك الأيام قائلة: «ابني كان مريض، وكنت نذرت لله إني أوزع الطعام صدقة كل يوم بنية شفائه، والحمد لله ربنا استجاب وشفاه وعوضني خير».
ذلك الطريق المليء بالعطاء فتح أمامها أبوابًا أخرى من الخير لم تكن تتوقعها.
فلم يكن الحج ضمن خططها هذا العام، بل إنها تقدمت بأوراقها في اللحظات الأخيرة قبل غلق باب التقديم، لتجد نفسها بعد فترة قصيرة بين ضيوف الرحمن، وكأنها دعوة ربانية جاءت مكافأة على ما قدمته من تضحيات في سبيل خدمة كتاب الله.
وعندما انتهت رحلة الحج وعادت إلى أرض الوطن، كانت المفاجأة في انتظارها داخل المطار.
عشرات من طلاب وطالبات القرآن الكريم الذين احتضنتهم المؤسسة التي أسستها، حضروا لاستقبالها في مشهد مؤثر، اصطفوا في ممر شرفي طويل، وارتفعت أصوات التكبير والترحيب، بينما علت وجوه الجميع مشاعر الفرح والامتنان.
لم يكن استقبالًا عاديًا لحاجة عادت من الأراضي المقدسة، بل كان رسالة وفاء من أجيال تعلمت وحفظت القرآن بين جدران البيت الذي وهبته صاحبته لله، فكان جزاؤها محبة الناس ودعواتهم الصادقة.
وعادت الحاجة وفاء من رحلتها المقدسة وقد تخلت عن بيتها في الدنيا، لكنها عادت محاطة بمحبة المئات من حفظة كتاب الله، تحمل في رصيدها دعوات لا تُحصى، وأملًا في بيتٍ أعظم أعده الله لعباده الصالحين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك