هل من قبيل الصدفة أن يخرج علينا د.
عبدالمنعم سعيد بالدعوة لدمج دار الهلال وروز اليوسف والجمهورية تمهيدا لتحويلهم إلى شركة لطرحها فى البورصة، يعنى بيعها …وبين دعوة رجل الاعمال نجيب ساويرس ضد إعلان الدولة تطوير تليفزيون الدولة «ماسبيرو»، وبحجة لا أحد يتفرج على قنواته، والأفضل طبعا بيع مبناه كى يشتريه هو أو غيره! !السؤال لتجار الخردة: هل تُعرض السيادة الوطنية فى البورصة؟ …بأى سلاح سنواجه حروب الجيل الرابع وحروب الإعلام العابرة للحدود والارهاب والتخلف؟ هل سنواجهها بـ «شركات مساهمة» يتحكم فى توجيهها من يشترى أسهمها؟تخيلوا معى هذا السيناريو الكابوسى: أن تُعرض المؤسسات الصحفية والإعلامية المصرية فى البورصة كما يقترح د.
سعيد، ويأتى لشرائها من يملك فائضاً دولارياً أو رأس مال مشبوه، لمن سيكون صوت مصر حينها؟
نحن لا نواجه خطة إصلاح اقتصادى، بل نواجه عملية اغتيال ممنهجة للذاكرة الوطنية المصرية، من يريد إخضاع الإعلام القومى لمنطق السوق، إنما يطالببوعى أو بدون وعى بتسليم سلاح الوعى المصرى لأعلى سعر فى المزاد العلني!تصفية الذاكرة بـ «مشرط المحاسب»حين نُخضع مؤسسة أسسها جورجى زيدان عام 1892 «دار الهلال» لتقييمات «مكتب استشارى مالي»، فنحن نرتكب جريمة حضارية.
هذه الكيانات لم تُنشأ لتكون «دكاكين» لتجارة الورق، بل أُسست لتكون مصانع للعقل العربى.
روز اليوسف لم تكن يوماً مجرد «بند مصروفات»، بل كانت مدرسة للمشاغبة الوطنية والوعى السياسى المتمرد والصحافة المتميزة.
دار الهلال لم تكن شركة لطباعة المجلات، بل كانت الذراع الثقافية التى صاغت وجدان أجيال من المحيط إلى الخليج.
الأمن القومى فى سوق المزايداتالسؤال الحارق الذى يتهرب منه سدنة الفكر الرأسمالى هو: من يدفع ثمن غياب «الوعي»؟ ومنذ متى كان الأمن القومى يُقاس بالربح والخسارة؟
بالطبع لا، لأن العائد هنا هو «الأمن والاستقرار».
والصحافة القومية هى جيش مصر الثقافى وسلاحها الأول فى معركة الوعى ….
إن الملايين التى تخسرها مؤسسة صحفية قومية فى مواجهة الشائعات، وحروب الجيل الرابع، والفكر الظلامى، هى فى الحقيقة «استثمار زهيد الثمن» مقارنة بالمليارات التى قد تنفقها الدولة مستقبلاً لمعالجة عقول جيل واحد جرى اختراقه ثقافياً عبر منصات إقليمية أو دولية مشبوهة.
وتأتى الحلقة الثانية من السيناريو ويخرج علينا رجل الأعمال نجيب ساويرس، متسلحاً بمنطق الأرقام ولغة «المكسب والخسارة» وميزان الأرباح، ليطلق سهامه نحو مبنى ماسبيرو العريق واضعا السم فى العسل من خلال السؤال الذى يجد أذنًا تسمعه: «لماذا تنفق الدولة مليارات الجنيهات على كيانات خاسرة ومترهلة لا تحقق أرباحاً؟ »، منادياً بضرورة التخلص من هذا العبء عبر الخصخصة، أو الدمج الجراحى القاسى، أو التفكيك… وهذا المنطق الرأسمالى النيوليبرالى، الذى يمثله ساويرس ود.
سعيد، يقع فى خطأ فادح، وهو خلطه المتعمد بين «المؤسسة الاستثمارية» و«المؤسسة السيادية الحمائية».
إنهم يتعاملون مع الإعلام الرسمى وكأنه مصنع لإنتاج الأسمنت أو شركة للمقاولات، إن خسر ميزانه المالى يُغلق أو يُباع فى مزاد علنى.
الإعلام القومى «خدمة عامة» وليس سلعة تجاريةإن فلسفة وجود ماسبيرو والصحف القومية لم تكن يوماً تحقيق أرباح مادية سريعة، بل تقديم خدمة عامة للمواطن.
ماسبيرو مثله مثل الصحف القومية.
«الأمن القومي» والقوة الناعمة.
هل يمكن لبلد بحجم مصر وتاريخها أن يترك أدوات صياغة عقول مواطنيه، والدفاع عن روايته الرسمية وقت الأزمات والحروب، فى يد القطاع الخاص ورجال الأعمال؟ إن الإعلام التابع لرجال الأعمال، مهما بلغت وطنيته، محكوم فى النهاية بمصالح أصحابه وحساباتهم السياسية والتجارية، وقد تتبدل توجهاته بتبدل المصالح.
أما إعلام الدولة، فهو الضمانة الوحيدة المتبقية للأمن القومى والقوة الناعمة لمصر فى محيطها العربى والإقليمى.
الحل فى «التطوير» لا فى «التخريب».
نحن لا ننكر، بل نطالب قبل غيرنا، بضرورة الإصلاح الإدارى، ومحاربة الترهل، وتطوير الأدوات الرقمية فى ماسبيرو والصحف القومية لمواكبة العصر وحوكمة الانفاق.
وهذا ما تقوم به الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للاعلام، كذلك لكن هناك فرقاً شاسعاً بين «مشرط الجراح الذى يهدف للشفاء والتطوير»، وبين «معول الهدم الرأسمالى الذى يستهدف التخريب والإلغاء».
إن أزمة ماسبيرو هى أزمة إدارة ورؤية، وليست أزمة وجود، والتخلص من هذا الإرث بدعوى الخسارة المالية هو تفريط فى أصول الدولة المعنوية والتاريخية.
الصحافة المصرية القومية ليست أصولاً عقارية للبيع أو الإيجار لـ«جنى الثمار»، والتنازل عن الدور التنويرى للصحافة تحت ضغط الأزمات الاقتصادية العابرة هو استسلام حضارى غير مقبول بالمرة….

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك