أصبح حوار شانغريلا الأمني خلال السنوات الأخيرة، منصةً لكل من بكين وواشنطن للتعبير عن خلافاتهما الحادة بشأن عدة ملفات من بينها مسألة تايوان، والنزاع في بحر الصين الجنوبي، والأنشطة العسكرية الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ولم يكن تخفيف حدة الخطاب من كلا الجانبين في مؤتمر الأمن الآسيوي الأهم الذي عُقد في سنغافورة بين 29 و31 مايو/أيار الماضي مفاجئاً تماماً.
وقد عكس ذلك نبرةً أكثر دفئاً في قمة بكين الأخيرة بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب، في 14 مايو الماضي، والتي اتسمت بالتوافق على إطار استراتيجي جديد لتثبيت الاستقرار، مما يشير إلى مزيد من الدبلوماسية وتقليل المواجهة.
واتخذ الطرفان موقفاً أكثر ليونة مقارنةً بحوار شانغريلا العام الماضي.
ورغم اللغة الهادئة، لم يمنع ذلك رئيسي الوفدين الأميركي والصيني من توضيح خلافاتهما.
وبينما وصف وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث العلاقات الثنائية بأنها أفضل من أي وقت مضى، أعرب عن قلقه إزاء التوسع العسكري الصيني التاريخي وزيادة الأنشطة العسكرية في المنطقة وخارجها.
أما رئيس الوفد الصيني اللواء منغ شيانغ تشينغ، وهو أستاذ في جامعة الدفاع الوطني لجيش التحرير الشعبي، فاعتبر أن العالم يواجه تحديات من الهيمنة ومواجهة الكتل التي تقودها دول معينة، من دون أن يسمي الولايات المتحدة بشكل مباشر.
واستغل منغ، كلمته أيضاً للرد على تصريحات هيغسيث في المنتدى بشأن تركيز واشنطن الأمني في المنطقة.
لكنه تجنّب في تعليقاته نوع الانتقادات الحادة للولايات المتحدة التي ميزت ردود الوفد الصيني في العام الماضي.
جيانغ لي: يتعين على دول الجوار إعادة النظر في أهداف حوار شانغريلا الأمني وفق الرؤية الصينيةباحثون صينيون في شانغريلاومع ذلك، كان تغيّب وزير الدفاع الصيني دونغ جون، عن هذا الحدث لعامين متتاليين، علامة فارقة، إذ أرسل بدلاً منه وفداً من باحثين وخبراء عسكريين من جامعة الدفاع الوطني التابعة للجيش الصيني.
ويُظهر ذلك أن الصين باتت تنظر إلى المنتدى على نحو متزايد باعتباره إطاراً تهيمن عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها.
ويرى مراقبون صينيون أن بكين لا ترى جدوى تُذكر في إرسال وفد رفيع المستوى إلى منتدى تشعر بأنه يُستخدم للضغط عليها.
ورغم انعقاد الحوار في سنغافورة، إلا أنه مُصمم، وفق التصور الصيني، بطريقة تُعطي الولايات المتحدة الكلمة العليا، التي تعتبرها بكين قوة غير آسيوية.
وقال أستاذ العلاقات الدولية في مركز ونشوان للدراسات الاستراتيجية جيانغ لي، في حديث لـ" العربي الجديد"، إن هيغسيث" خفف من لهجته تجاه الصين في خطابه السبت الماضي في منتدى شانغريلا الأمني مقارنة بالعام السابق.
لكن المشكلة بالنسبة للصين لا تكمن في الخطابات، بل في النيات".
وأضاف: " باعتبار أن حوار شانغريلا أصبح على الأقل خلال العامين الماضيين منصة للولايات المتحدة لمهاجمة الصين بين حلفائها الآسيويين، فضلاً عن الادعاء بأنها وسيطة في النزاعات الإقليمية الرئيسية مثل بحر الصين الجنوبي أو بحر الصين الشرقي، فإن بكين لا ترى واشنطن وسيطاً نزيهاً، ولا ترغب في مناقشة هذه القضايا مع جيرانها عبر قنوات أميركية.
لذلك تفضّل خلال الوقت الراهن مراقبة تحركات الولايات المتحدة في آسيا، وكذلك ردات فعل الدول الآسيوية الأخرى.
كما تتطلع إلى مزيد من التفاعل الثنائي المباشر مع هذه الدول، خصوصاً على الصعيد الأمني، بدلاً من الانخراط في سجال سياسي لا يخدم المصالح المشتركة".
واعتبر أنه" وفق هذه الرؤية الصينية، يتعين على دول الجوار إعادة النظر في أهداف حوار شانغريلا الأمني.
أما إذا استمرّ منصةً تهيمن عليه واشنطن، فلن تكون هناك أي فرصة لتصويب النزاعات في المنطقة وسيزداد الأمر تعقيداً".
وانغ خه: مستوى حضور الصين يجذب كل عام الكثير من الاهتماممن جهته، رأى مدير معهد الجنوب للدراسات الدولية الصيني، وانغ خه، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن هناك مبالغة في تأويل حجم مشاركة الوفد الصيني في المنتدى الأمني، وقال إنه بسبب مكانتها الدولية ودورها الأساسي في الملفات والقضايا الإقليمية في شرق وجنوب آسيا، فإن مستوى حضور الصين يجذب كل عام الكثير من الاهتمام، وغالباً ما تبالغ وسائل الإعلام الغربية في تضخيم الأمر.
وأضاف: من الطبيعي أن ترسل بكين الوفد الذي تريد، هذا الأمر تحدده طبيعة الحوار الأمني، فهو ليس أكثر من منصة حوار متعددة المسارات تضم مسؤولين وباحثين من عدة دول.
وما دام ممثل الدولة يفي بمتطلبات الحوار فلا بأس في ذلك، ولا داعي لتضخيم الأمر والمبالغة.
ولفت إلى أن الوفد الصيني برئاسة اللواء منغ شيانغ تشينغ، أستاذ في جامعة الدفاع الوطني لجيش التحرير الشعبي، شارك بنشاط في مختلف الحوارات البناءة على هامش المنتدى، وعرض أفكار الصين ومبادراتها في الاجتماعات، وعمل مع جميع الأطراف للمساهمة في الحفاظ على الاستقرار في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.
وهذا هو المطلوب بالنسبة لبكين، حسب وانغ خه.
يشار إلى أنه في ظل التحديات المتعددة، طرحت الصين خلال حوار شانغريلا الأخير، مبادرات الأمن العالمي ومبادرات الحوكمة العالمية، داعيةً إلى مفهوم أمني مشترك وشامل وتعاوني ومستدام، وأكدت الالتزام بالتعددية وسيادة القانون الدولي.
وفي تعليقها على ذلك، قالت صحيفة غلوبال تايمز الحكومية الصينية، إنه مع تصاعد حالة عدم اليقين الجيوسياسي العالمي وتزايد تشرذم المشهد الدولي، قد يتجه نظام إدارة الأمن العالمي في المستقبل نحو تعددية الأقطاب، وأن فلسفة الصين الأمنية من المتوقع أن تسهم إسهاماً إيجابياً في بناء نظام إدارة أمن عالمي أكثر عدلاً وإنصافاً، لتصبح قوةً مؤثرةً في تشكيل تطور النظام الأمني الدولي في المستقبل المنظور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك