ولد أحمد رامي في 9 أغسطس عام 1892، في بيت والده الدكتور محمد رامي بحي الناصرية بالقاهرة، وسط أجواء مفعمة بالفن والطرب، إذ كان المنزل أشبه بصالون فني لا يخلو من مغن أو عازف، وهو ما ترك أثرا بالغا في وجدانه منذ الطفولة، وفي عام 1899 اصطحبه والده إلى جزيرة طاشيوز الساحرة الواقعة في بحر اليونان بشرق البحر المتوسط، حيث علقت في ذاكرته مشاهد الطبيعة والجمال، لتصبح لاحقا أحد منابع خياله الشعري.
عاد رامي إلى مصر عام 1901، وألحقته عمته بالكتاب والمدارس بعدما بدأ يتحدث التركية واليونانية، ليستعيد لغته العربية، ثم تنقل بين عدد من المدارس حتى حصل على الشهادة الابتدائية عام 1907، والبكالوريا من المدرسة الخديوية عام 1911، قبل أن يلتحق بمدرسة المعلمين العليا، التي خرج منها ضمن الرعيل الأول من الأدباء والمثقفين.
وفي حي بركة الفيل بالقاهرة القديمة، عاش رامي أجواء صوفية انعكست على روحه وشعره، كما تعرف إلى كبار الشعراء والأدباء، من بينهم حافظ إبراهيم وعبد الحليم المصري وإسماعيل صبري، الذي أدخله عالم الندوات الأدبية وقربه من الوسط الثقافي.
صدر له الجزء الأول من ديوانه الشعري، وقدم له الشاعر خليل مطران، ثم سافر إلى باريس عام 1922 ضمن بعثة علمية، قبل أن يعود إلى مصر عام 1924، وهو العام الذي شهد اللقاء الأهم في حياته الفنية مع سيدة الغناء العربي أم كلثوم، من خلال قصيدة" الصب تفضحه عيونه" من ألحان الشيخ أبو العلا محمد.
ومنذ ذلك اللقاء أصبحت أم كلثوم مصدر إلهامه الأكبر، وتفجر معها داخله نبع جديد من الشعر والمشاعر.
وبعد تخرجه، التحق رامي بالعمل في دار الكتب المصرية، وكان يحمل ثلاث شهادات عالية ويجيد الإنجليزية، الفرنسية، الفارسية، إلى جانب العربية، ويفهم التركية، وأبدع في تطوير نظام الفهرسة هناك بما عرف بأسلوب" word tatch" أو مفتاح الكتاب، واشتهر بـ" فهرس رامي"، كما شارك في تحقيق وإخراج" قاموس البلاد المصرية من أيام الفراعنة إلى اليوم".
عاصر رامي جميع مدارس الشعر العربي الحديث، فنهل من معين المدرسة الكلاسيكية التي أعادت الشعر إلى صيغته الأصيلة، وتأثر بروادها من أمثال شوقي وحافظ إبراهيم، ثم انفتح على مدرسة الديوان التي ركزت على الوجدان والتجربة الذاتية، وشعراء مثل العقاد والمازني وعبدالرحمن شكري، الرومانسية التي تمردت على النمطية وفتحت أبواب الشعر على مشاعر الذات وأسرارها بشعراء مثل علي محمود طه، إبراهيم ناجي، وأبو القاسم الشابي، وصولا إلى أدب المهجر المتسم بالحنين والاغتراب.
ومن روادها جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي.
وكان رامي بلبل جيله الصداح، أغلب شعره من الأبحر القصيرة، وكان ديوانه ديوان حب وألم متفرد بشخصيته فيه فلا يتسلق على كلام غيره.
كان شعره وحيا يلقى في روعه، لا تكلف فيه ولا تصنع، لا يتكلفه بل ينساب منه انسياب الماء العذب، ويغلب على شعره الحب هاديء والحزن الناعم.
صدرت له عدة دواوين منها: ديوانه الأول 1917، ديوانه الثاني 1920، ولعل من أعظم أعماله الأدبية والفكرية ترجمته الخالدة لرباعيات الخيام عن الفارسية، حيث ألبسها حلة عربية لا تقل بهاء عن أصلها رباعيات الخيام 1924، ديوانه الثالث 1925، النسر الصغير 1927، غرام الشعراء 1934، جمع دواوينه الثلاثة في ديوان واحد باسم" ديوان رامي" 1947.
ترجل أحمد رامي من مملكة الفصحى التي تربع على عرشها ملكا متوجا في القصيدة العاطفية، ليصوغ عامية جديدة شديدة الخصوصية تحمل بصمته، جديدة في معانيها ومفرداتها ومستواها الذي اقترب من الفصحى، مما أسهم بشكل جوهري في النهضة التي شهدتها الأغنية العربية في العصر الحديث، وهو الذي أنقذ الغناء المصري من الابتذال.
كما أثرى رامي المسرح والغناء والسينما، فكتب نحو 250 قصيدة غنائية، و15 مسرحية مترجمة عن الأدب الإنجليزي، و35 قصة سينمائية، وشارك في كتابة الحوارات والأغاني لأكثر من 30 فيلما، من بينها" وداد" و" دنانير" لأم كلثوم.
وحصد رامي خلال مسيرته العديد من التكريمات، من بينها جائزة الدولة التقديرية، ووسام الفنون والعلوم، والدكتوراه الفخرية، تقديرا لما قدمه من عطاء أدبي وفني كبير.
ومع رحيل أم كلثوم، خفت صوته واعتزل الكتابة في سنواته الأخيرة، وتدهورت حالته الصحية حتى رحل في الخامس من يونيو عام 1981، تاركا تراثا شعريا وفنيا خالدا، يظل أحد أهم أعمدة الثقافة العربية الحديثة، وركيزة أساسية من ركائز القوة الناعمة المصرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك