تُفتتح جنوبي مدينة شيكاغو الأميركية مكتبة ضخمة لا تقل تكلفتها عن 850 مليون دولار في 19 مايو/أيار الحالي.
المكتبة المكلّفة تدعى" مركز أوباما الرئاسي"، وتطلّ على منطقة فقيرة، وتحمل كتابة يصعب فهمها، ومصممة من دون نوافذ تقريباً، ما يجعلها أشبه بسجن.
للمكتبة برج بارز من مجمع شاسع يتألف من أربعة مبانٍ، شُيّدت من كتل غرانيتية رمادية ضخمة، بزخارف برونزية وديكورات داخلية خرسانية، ما يضفي على المكان طابعاً كئيباً.
كان الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما تحدث عن رغبته في أن يصبح مهندساً معمارياً قبل أن يختار دراسة القانون، وشارك في أفكار تصميم هذه المكتبة، ولأنه كان من أبرز الرؤساء الأميركيين ذوي الأسلوب الخطابي المميز، فقد زُين المبنى بكلمات مقتبسة من خطاب له، لكن مع ذلك يصعب تمييز الكلمات في فوضى من الحروف.
تضم المكتبة أول أرشيف رئاسي رقمي بالكامل، وبدلاً من رفوف الكتب، يوجد موقف لـ400 سيارة.
يضم المجمع" منتدى" يحتوي على قاعة محاضرات، ومتجر هدايا، ومقهى، ومطعم، وفرع من مكتبة شيكاغو العامة.
وتحيط المباني ساحة فخمة من الغرانيت.
وإلى الجنوب، هناك ملعب مجهّز، ومنحدر للتزلج، وساحة عشبية واسعة على شكل وعاء، وجناح رياضي لامع مغلّف بالألمنيوم مزيّن بعباراتٍ ملهمة من أوباما، مثل Yes We Can (نعم نستطيع).
ويمكن للزوار، مقابل 30 دولاراً، عبر أربعة طوابق تفاعلية، استكشاف قصة حياة الزوجين باراك وميشيل أوباما، بدءاً بحركات الحقوق المدنية التي ألهمتهما، وحملاتهما السياسية، وإنجازاتهما في المنصب، والحياة في البيت الأبيض.
كما يوجد أيضاً نموذج بالحجم الطبيعي للمكتب البيضاوي، حيث يمكن التقاط الصور.
تشمل أبرز المعروضات تذكارات الحملة الانتخابية، من شارات إلى أحذية رياضية، ومجسمات مصغرة لغرف البيت الأبيض المختلفة.
يركّز كل شيء في مكتبة أوباما على.
أوباما؛ ففي المطعم يمكن طلب برغر أوباما، أو طبق الفلفل الحار الذي تحضّره عائلة ميشيل، وتضم المكتبة غرفة قراءة رئاسية تحوي كتب أوباما المفضلة، وحتى الحديقة تضم نوعاً من زهور التوليب يحمل اسم أوباما أهداه الهولنديون، كما أن أحواض زراعة الفاكهة والخضراوات في الساحة مستوحاة من حديقة ميشيل في البيت الأبيض.
والهدف المعلن هو تحويل المكتبة الرئاسية من مركز بحثي أكاديمي إلى مركز حيوي للأنشطة المجتمعية.
يقول أوباما في فيديو ترويجي: " إنها ليست مجرد مكتبة، بل حرم جامعي مُكرّس لدعم صُنّاع التغيير في المستقبل".
لكن المشروع يثير السجالات بأكثر من طريقة، فالخبراء يحذرون من غياب الأرشيف المادي، ولا تدير الأرشيف الإلكتروني مؤسسة الأرشيفات الوطنية، ما يثير مخاوف الحياد.
وقد بُنيت المكتبة فوق حديقة عامة، ما أثار موجة دعاوى قضائية، لكن المؤسسة تردّ بأن المشروع زاد من المساحات الخضراء.
كذلك، تسبّب المشروع في رفع أسعار العقارات حوله وتهديد المستأجرين ذوي الدخل المحدود بالتهجير، لكن المؤسسة تعد بعوائد اقتصادية متوقعة للمركز تفوق ثلاثة مليارات دولار.
هذا الوعد الاقتصادي يتقاطع مع إرث تاريخي معقد للموقع المختار؛ فحديقة جاكسون بارك التي استقطع المركز جزءاً منها، صممها مهندس المناظر الطبيعية الشهير فريدريك لو أولمستد، لاستضافة المعرض الكولومبي العالمي عام 1893.
التدخل المعماري الحديث بكتله الخرسانية والغرانيتية أحدث قطيعة بصرية واضحة مع المساحات المفتوحة والبحيرات الهادئة التي ميزت تصميم أولمستد الأصلي.
المدافعون عن البيئة والتراث اعتبروا هذا البناء سابقة خطيرة تفتح الباب أمام التعدي على المساحات العامة لصالح مشاريع ضخمة، مهما بلغت قيمتها الرمزية أو السياسية.
قرار التخلي عن الأرشيف المادي يمثل تحولاً جذرياً في تاريخ الرئاسة الأميركية.
الرؤساء السابقون أودعوا وثائقهم المادية لدى الإدارة الوطنية للأرشيف داخل مكتباتهم، بينما تكفّلت مؤسسة أوباما برقمنة ملايين الصفحات غير السرية، مع إبقاء النسخ الأصلية في منشآت فيدرالية بعيدة عن شيكاغو.
الباحثون والمؤرخون يجدون أنفسهم أمام تجربة جديدة تعتمد كلياً على الشاشات وقواعد البيانات، ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة العلاقة المادية مع الوثيقة الأصلية في غياب الإدارة الوطنية عن أروقة المبنى.
اجتماعياً، تحول المجمع إلى بؤرة توتر مستمر بين طموحات المؤسسة الرئاسية ومخاوف السكان المحليين في منطقة ساوث سايد.
النشطاء قادوا حملات مكثفة لفرض اتفاقية منافع مجتمعية تُلزم المشروع بتوفير ضمانات لحماية المستأجرين من الطرد.
ومع تعهد مدينة شيكاغو بتخصيص أموال لدعم الإسكان الميسر في المنطقة المحيطة، يرى العديد من السكان أن هذه الإجراءات جاءت متأخرة أمام قوى السوق الحرة وتوافد المستثمرين الطامحين في استغلال الجذب السياحي للمركز، ما يهدد بتغيير التركيبة الديموغرافية للحي التاريخي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك