ومن الأمثلة على ذلك كتاب أوزوالد شبنجلر الكلاسيكي" انحطاط الغرب"، وهو عمل من جزأين كبيرين، طُبع الجزء الأول في صيف عام 1918، وطُبع الجزء الثاني في 1923، هذا الكتاب يكاد يشير إلى دونالد ترامب، وما يفعله بالعالم الأن.
يرى شبنجلر أن الحضارة الغربية قد دخلت مرحلة منحطّة ستنتهي بتدميرها حتمًا، يجب أن ينهار الغرب، وستستخدم أسلحة الحداثة المتطورة للغاية لإشعال حرب عالمية شاملة، بهدف القضاء على النظام القائم ونشوء ثقافة جديدة.
في رؤية شبنجلر، ولا يمكن ولا ينبغي إنقاذ النظام القائم، بل يجب أن يفسح المجال لنوع جديد من الثقافة.
ووفق نظرية شبنجلر فإن العالم الغربي يحتضر وما نشاهده هو الفصل الأخير أو الشتاء للثقافة الغربية، إن الرجل الغربي شخص فخور ولكنه مأساوي، رغم كفاحه وإبداعه فإنه لا يعرف غاية حقيقية يمكنه الوصول إليها.
يرى النهاية تبدأ مع سيطرة كبار السن" مثل ترامب وبوتين" بدلاً من الشباب، مع زيادة التصنّع والركود في جميع مجالات الحياة، حكم المدن الكبرى غير العضوية بدلاً من الريف النابض بالحياة، الوعي بالحقائق الباردة بدلاً من تبجيل التقاليد، انتشار الفوضوية، والتركيز على صناعات الترفيه، انهيار الأخلاق وموت الفن مع حروب حضارية وحروب إبادة.
وصف شبنجلر اليهودية بأنها" عنصر مخرب" له أثر مدمر" أينما حلَّ"، ووُصِف اليهود بأنهم" ذكاء ساخر" و" تفكير مدفوع بالمال" ولذلك، كانوا عاجزين عن التكيف مع الثقافة الغربية، ومثّلوا عنصرًا أجنبيًا في أوروبا، ووفقًا للمؤرخ الألماني الإسرائيلي ألكسندر بين، فقد ساهم شبنجلر، بهذه التكهنات التاريخية المعادية للسامية، بشكل كبير في جعل الصور النمطية عن" اليهود" مقبولة حتى في الأوساط التي نأت بنفسها عن التشويهات التاريخية الفجة المعادية لليهود.
تميز أوزوالد شبنجلر عن مؤرخي وفلاسفة عصره، بالتنبؤ بمسار التاريخ العالمي من خلال رؤيته الشاملة له، وبحدة تحليله المؤثرة، ساهمت نبرته القاطعة، التي لا تقبل أي معارضة، والباردة، والمناهضة للإنسانية بشكلٍ صارم، في شعور العديد من القراء بخيبة الأمل التي سعى إليها المؤلف باعتبارها تنويرًا.
اكتسب شبنجلر هالة المنعزل العظيم الذي كشف، من خلال عمله الضخم، عن روابط وقوانين خفية؛ مفككا أسرار التاريخ العالمي، من قلب مفاهيم عصره رأسًا على عقب، وأقصى ممثلي التخصصات الأكاديمية.
رأى شبنجلر نفسه نبيًا يكتب للأجيال القادمة يقول: " أرى الأمور بوضوح أكثر من غيري لأني أفكر باستقلالية، متحررًا من الأحزاب والفصائل والمصالح، لقد تنبأت بالأمور وهي تتطور، وستستمر في التطور بشكل طبيعي، مصيري".
أتنبأ بالمزيد، لكنني أشعر بوحدة أشد من أي وقت مضى، ومع ذلك أكرر مرارًا وتكرارًا أنني لم أصف سوى حقائق، لأناس قادرين على التفكير والتصرف كرجال دولة، وليس للرومانسيين".
ومن بين السياسيين، يعد هنري كيسنجر أشهر المتأثرين بفلسفة شبنجلر.
حتى في شبابه، خصّص فصلًا هامًا من أطروحته للدكتوراه لمؤلف كتاب" تاريخ انحطاط العصور الوسطى".
لقد تجاوز شبنجلر عصره بالإشارة إلى التنافس القادم: ذلك التنافس بين الصناعة و" التمويل الراقي، الذي يسعى إلى احتكار السلطة.
والصراع بين الاقتصاد المنتج والاقتصاد المُستبدل، ويقصد به صناديق التحوّط والمشتقات المالية، والبنوك الموازية، والمضاربات الجشعة التي تحركها رأسمالية القمار، إنها معركة عقول صامتة هائلة، تُخاض على أرض مدن العالم.
فى النهاية يعرف سبينجلر الثقافة التاسعة التي ستأتي بعد أنهيار الغرب، بالثقافة الروسية، وبأنها كيان ثقافي آخر ينتمي إليه مستقبل الألفية الثالثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك