حقق العهد الناصري إنجازات جَمَّة، قفزات تحققت في مجالات كثيرة ومنها (التصنيع والثقافة والزراعة والفن والعدالة الاجتماعية)، سياسة واضحة جعلت من مصر دولة قوية في المنطقة بأكملها، لكن جاءت (5 يونيو 1967) وجعلتنا نستفيق، أدركنا أننا هُزِمنا، كُسِرَت أحلامنا، أعَدنا ترتيب أوراقنا، قُمنا بتنقية صفوفنا، تَقَدَّم الصفوف النُبهاء المجتهدون الجادون الدارسون المدركون أن المناصب العليا تكريم وتشريف وتكليف، بدأنا عهداً جديداً تحت شعار («تجديد الدماء» ضرورة)، لم تتوقف أحلامُنا، عادت قوتنا بعزيمة الرجال، كُنا نُدرِك أنَّ المعركة قادمة لا محالة، معركة لا يوجد بها فرضيات أو اختيارات، فإما (النصر أو النصر).
معركة نتيجتها واحدة فقط هي (النصر).
ولكي ندخل هذه المعركة كُنا نعرِف أنها (معركة حياة أو موت)، مسئولية كبرى مُعلقة في رقبة جيل كامل شاءت الأقدار أن يتحملها هو دون غيره، جيل قرر أن يكتُب التاريخ ويدخُل التاريخ من أوسع أبوابه ويقود سفينة الوطن لاستعادة أرضنا المغتصَبة، جيل ذهبي ضم قادة عِظاماً حفظنا أسماءهم اسماً اسماً، تم التخطيط الدقيق للمعركة، استعداد تام للمواجهة، قادة وضباط وجنود الكُل يعرف دوره الذي أُسنِد له، وُجِّهَت ميزانية الدولة للمعركة، المصريون مَشحونون شحنة تكفي لاستعادة الأرض وتزيد، مُطالبات بالإسراع بالمواجهة، خداع استراتيجي يُدَرَّس في كبريات الأكاديميات العسكرية، ظن البعض أن مصر في سُبات عميق ولن تحارب ولو بعد (100) سنة، نعم ظنوا أنَّ مصر نائمة ولن تقوم من نومها أبداً ولن تقوم لها قائمة.
لكن رجال مصر الشرفاء كانوا عِند حُسن الظن بهم، اختاروا الوقت المناسب لتنفيذ الخطة المناسبة، وبدأت المعركة في الوقت الذي حدَّدوه، في (6 أكتوبر 1973) ضربة البداية كانت من نصيبنا، ضربة جوية أصابت الهدف ونجحت في مُهمتها بنسبة (99%)، كانت ضربة موجعة ومؤلمة، (220) طائرة حربية ملأت الأجواء وخرجت من قواعدها ووصلت للجبهة في وقت واحد ودمرت القواعد العسكرية للعدو في الضفة الشرقية للقناة بعد أن تم تدمير خط بارليف المنيع، آلاف الجنود عبروا القناة، دبابات ومُصفحات ومُجنزرات وعربات عسكرية وقوات عبرت القناة، توغلت القوات داخل سيناء حتى (13) كم، تكبَّد العدو خسائر هائلة، نداءات من قادة العدو للأمريكان مفادها (SOS)، وهي اختصار للنداء الشهير أو الاستغاثة الشهيرة أو طلب النجدة والطوارئ، والتي تقول (Save Our Souls) أو (أنقذوا أرواحنا)، تمت الاستجابة السريعة، وجاءت الدبابات والطائرات من أمريكا وبها جنود وضباط وطيارون للمشاركة في الحرب مع العدو ضد مصر، كان مطار العريش يَعج بالأمريكان الذين جاءوا للمشاركة ضدنا، لكن بعد فوات الأوان فقد استقر المصريون في الضفة الشرقية للقناة ودمروا مواقع العدو وتمركزاته العسكرية وطردوه وهرب الباقي، وأسروا بعض قواته، قَبِل المصريون قرار وقف إطلاق النار، وتدخلت الأمم المتحدة، ونالت مصر احترام دول العالم.
بعد كل ذلك أقول: في (6 أكتوبر 1973) قررت مصر المواجهة وخططت وحاربت وحققت النصر المبين، وبالمفاوضات عادت الأرض المصرية كاملة، عادت أرضنا شِبراً شِبراً، لم نتنازل عن حَبَّة رَمل واحدة من تراب الوطن الغالي، ففي مقاييس العمل العسكري هذا هو الانتصار، لأن الجُملة الشهيرة تقول (تُقاس الحروب بنتائجها)، ونتيجة حرب أكتوبر واضحة للعيان وهي (استعادة مصر أرضها كاملة).
أما الأعراف العسكرية فتقول (يخسر القوى إذا لم يُحقق أهدافه من الحرب)، ولهذا فقد حققت مصر أهدافها من الحرب.
فإذا طبقنا هذا العُرف في حرب إيران وأمريكا فكيف نُحدد المنتصر؟ فهل أىٌّ منهما حقق أهدافه؟
هذا هو السؤال الصعب الذي يخشاه الكثيرون!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك