في الحادي عشر من يونيو الجاري، يضع العالم أحزانه ومشاكله جانبا، وينحي خلافاته وصراعاته، وذلك عندما تنطلق بطولة كأس العالم لكرة القدم 2026، التي تقام بمشاركة 48 منتخبا وبتنظيم ثلاثي في المكسيك وكندا والولايات المتحدة الأميركية.
يعد المونديال فرصة تتكرر كل أربعة أعوام لتجدد كرة القدم شبابها، وتكشف عن أسرار لم تبح بها، كما أنها فرصة عظيمة لاكتشاف المواهب واستعراض كل ما هو جديد في عالم اللعبة، خاصة على الصعيد الفني، حيث تعد بطولات كأس العالم مسرحا لعرض أحدث طرق اللعب والتكتيكيات.
وإذا كان من المتعارف عليه أن يكون اللقب محجوزا باسم أحد منتخبات العيار الثقيل كما جرت العادة، إلا أن هذه المرة يبدو الأمر مختلفا، فارتفاع عدد المشاركين يضع عبئا كبيرا على اللاعبين، كما أن المنتخبات الكبرى المصنفة على أنها قوى تقليدية في كرة القدم والتي اعتادت احتكار اللقب، يمر غالبيتها بمعاناة فنية واضحة.
فمع غياب إيطاليا المتكرر عن المونديال، يمر منتخب ألمانيا بواحدة من أسوأ فتراته، وهو الأضعف على مر التاريخ في رأي كثير من الخبراء، وقد عجزت الكرة الألمانية عن إنجاب جيل قادر على الدفاع عن سمعة الكرة الألمانية ليس على الصعيد العالمي وحسب، بل على الصعيد الأوروبي، ويكفي أن منتخب «الماكينات» سجل أسوأ مشاركة له في بطولات كأس العالم بخروجه من مونديال 2022 بقطر من الدور الأول، ليواصل بذلك سلسلة السقوط التي بدأها في المونديال الروسي 2018 عندما خرج من الدور الأول أيضا.
أما منتخب البرازيل فيمكن القول بكل ثقة أنه فقد هويته، فبعدما ندرت المواهب التي اشتهرت بلاد «السامبا» بإنجابها وتصديرها إلى مختلف دول العالم، إذا بها تفشل في إيجاد مدرب قادر على قيادة المنتخب الأكثر إمتاعا.
فبعدما أنجبت مدربين من الطراز الرفيع أمثال ماريو زاجالو ولويس فيليبي سكولاري وكارلوس ألبرتو بيريرا، لم تجد الكرة البرازيلية المدرب القادر على قيادة منتخبها في مونديال 2026، فاضطرت للجوء إلى الخيار الأجنبي متمثلا في الإيطالي كارلو أنشيلوتي، نظرا لخبرته الأوروبية الكبيرة التي تساعده على لملمة شتات منتخب تبعثرت أوراقه ولم يعد كما كان دوما الفريق المخيف والممتع في آن واحد.
ولا تتوقف محنة البرازيل عند حد المدربين، بل تتعداها أيضا إلى جفاف منابع المواهب الكروية، إذ أن المنتخب الحالي لا يضم من الأسماء الكبيرة سوى فينيسيوس لاعب ريال مدريد، وهو بمفرده لا يمكن أن يقود فريقا بحجم منتخب البرازيل بدليل أنه فشل في إنقاذ ريال مدريد من الخروج بموسم صفري.
وكنتيجة لغياب المواهب، لم يجد أنشيلوتي مفرا من التقليب في الدفاتر القديمة فلم يجد سوى نيمار الذي استنفد قواه في تجارب احترافية خارج بلاده أغلبها فاشل بامتياز وكان آخرها مع الهلال السعودي، قبل أن يعود إلى وطنه عبر بوابة سانتوس.
واضطر المدرب الإيطالي إلى انتظار اكتمال شفاء نيمار حتى يزج به في قائمة «السيليساو» المونديالية لعله يسهم في إنقاذ ما وجه الكرة البرازيلية.
الأرجنتين من جانبها تبدو في وضع أفضل باعتبار منتخبها حامل اللقب، ونظرا لوجود أغلب اللاعبين الفائزين بمونديال 2022 وعلى رأسهم النجم والقائد ليونيل ميسي.
ولا ينقص الأرجنتين سوى أن تخوض المونديال بحكمة حتى لا تستنفد قدرات «البرغوث» خاصة مع بلوغه عامه التاسع والثلاثين.
أما إسبانيا فهي تملك منتخبا شابا وواعدا بالكثير، وهو فريق يعج بالنجوم المتألقين في ملاعب «الليغا».
وتملك إسبانيا قدرة كبيرة على مواصلة الطريق إلى أبعد مدى قياسا بما قدمه في بطولة أمم أوروبا 2024 التي توج بلقبها على حساب نظيره الإنجليزي.
ولا تتناسب سمعة منتخب «الماتادور» مع ما حققه في بطولات كأس العالم، إذ لم يسبق له الفوز باللقب سوى مرة واحدة عام 2010 بجنوب أفريقيا.
ومن واقع قائمة منتخب «لا روخا» التي اختارها المدير الفني لويس دي لا فوينتي، فإنه من اللافت للنظر عدم ضم أي لاعب من ريال مدريد ما يعكس محنة الفريق «الملكي»، مقابل ضم ثمانية لاعبين من برشلونة.
منتخب البرتغال من جانبه، يخوض المونديال بتشكيلة تضم لاعبين شبابا على أمل حمل الراية مستقبلا بعد انتهاء حقبة النجمين كريستيانو رونالدو وبرونو فرنانديز.
ولا تبدو فرصة البرتغاليين كبيرة في البطولة بالنظر إلى حاجة الفريق لأن يكون أكثر تكاملا وقدرة على المنافسة، كما أنه مطالب بعدم الاعتماد على النجم الأوحد مثلما فعل خلال العقدين الماضيين.
الفرنسيون من جانبهم يدخلون كأس العالم بروح معنوية تلامس عنان السماء، بعدما تمكن باريس سان جيرمان من الفوز بدوري أبطال أوروبا للمرة الثانية على التوالي، وهو تتويج يمنح المنتخب ثقة كبيرة.
ويرى الفرنسيون أنهم الأحق بالتتويج بلقب مونديال 2026 بالنظر إلى مستويات فريقهم الوطني، كما أن التشكيلة الحالة تضم لاعبين من الفريق الفائز بمونديال 2018 في روسيا حين توج باللقب على حساب كرواتيا، وفي المونديال التالي بقطر 2022 حل ثانيا بخسارته النهائي أمام الأرجنتين بركلات الترجيح، وبالتالي فإنه قد حان الوقت لحمل كأس العالم للمرة الثالثة بعد عامي 1998 و2018.
- للاطلاع على العدد «550» من جريدة «الوسط».
اضغط هناويعتمد منتخب «الديوك» الفرنسية على تشكيلة متفاهمة ومتجانسة يقودها كيليان مبابي وعثمان ديمبيلي، ويعد سلاح الفرنسيين الأساسي هو السرعة والمهارة بجانب الضغط المتواصل على المنافس.
ويعد المونديال هو الظهور الأخير للمدرب ديدييه ديشان الذي سيترك منصبه بعد البطولة، لذلك فإنه سيضع عصارة خبرته في خدمة المنتخب لكي يحقق إنجازا تاريخيا قبل التقاعد، وإذا ما فاز باللقب فإنه سيكون ثاني مدرب في التاريخ يفوز باللقب مرتين بعد الإيطالي فيتوريو بوتزو الذي قاد منتخب بلاده للتتويج بكأس العالم العامين 1934 و1938.
على الصعيد العربي، يسجل أبناء لغة الضاد مشاركة تاريخية في بطولات كأس العالم بتأهل ثمانية منتخبات إلى النهائيات هي المغرب والجزائر وتونس ومصر والأردن والعراق وقطر والسعودية، وهي مشاركة تغيير نظام التصفيات الذي حرم لعقود منتخبات العرب من التواجد بكثافة في العرس الكروي العالمي.
منتخب المغرب يعد منطقيا حامل لواء الكرة العربية والمرشح الأبرز للذهاب بعيدا قياسا بإنجازاته المتتالية، فقد وصل إلى الدور نصف النهائي لمونديال 2022، لكنه اكتفى بالمركز الرابع بخسارته من فرنسا.
يضم منتخب «أسود الأطلس» مجموعة رائعة من اللاعبين المحترفين بأوروبا يتصدرهم أشرف حكيمي المتوج بدوري الأبطال الأوروبي.
ويأمل المغاربة أن يواصل منتخبهم تألقه العالمي في مونديال 2026 ليكون انعكاسا لتطور الكرة المغربية التي حققت إنجازات كبيرة خلال الأعوام الماضية.
المنتخب الجزائري من جانبه، يمر بمرحلة تراجع بغيابه عن منصات التتويج، حيث كان آخر لقب له هو الفوز بكأس أمم أفريقيا 2019، وودع كأس أمم أفريقيا 2025 من دور الثمانية.
ولا يختلف حال منتخب تونس عن حال شقيقه الجزائري، حيث خيب توقعات محبيه بخروجه من كأس أمم أفريقيا 2025 من دور الـ16.
طموحات كبيرة لـ«الفراعنة»المنتخب المصري يشارك في المونديال بطموحات كبيرة ليس فقط استنادا لما قدمه في التصفيات، بل للتطور الذي سجله تحت قيادة مدربه حسام حسن والذي تجسد في التعادل مع منتخب إسبانيا وديا في مباراة خاضها الإسبان على ملعبهم وبين جمهورهم وبمشاركة العناصر الأساسية.
ويأمل منتخب مصر أن يتألق القائد محمد صلاح في البطولة، خاصة أنها تعد الفرصة الأخيرة له في الظهور ببطولات كأس العالم، كما أنه يريد الظهور بأفضل شكل ممكن في أعقاب رحيله المفاجئ عن ليفربول الإنجليزي في أعقاب خلافه الشهير مع المدرب الهولندي آرني سلوت.
ويعود العراق إلى الساحة العالمية بعد غياب دام أربعة عقود فصلت بين مشاركته الأولى بمونديال المكسيك 1986، والثانية بمونديال 2026.
ويعول منتخب «أسود الرافدين» على لاعبين مميزين أبرزهم أمير العماري وأيمن حسين، يقودهم المدرب الأسترالي المخضرم غراهام أرنولد.
الأردن من جانبه يسجل مشاركته التاريخية الأولى ببطولات كأس العالم.
يعد مجرد التأهل للمونديل إنجازا يحسب لهذا الجيل من اللاعبين الذين يقودهم المدرب المغربي جمال السلامي.
وتعد مباريات منتخب «النشامي» مناسبة وطنية تفاعلت معها الحكومة الأردنية بتأخير مواعيد الدوام الرسمي في أيام المباريات لتتيح للمواطنين متابعة المباريات.
تعد أبرز مشكلة تواجه منتخب الأردن هي أنه يقع في مجموعة واحدة مع منتخبات الأرجنتين والجزائر والنمسا، أي أنه سيتعين عليه مواجهة بطل العالم وشقيقه الجزائري.
تأتي المشاركة القطرية بالبطولة مختلفة كليا عن المشاركة الأولى في المونديال الماضي الذي شارك فيه باعتباره البلد المضيف، لكنه هذه المرة تأهل من خلال التصفيات.
الأهم من ذلك أن قطر تشارك في ظل مرحلة تجديد لدماء الفريق إذ تضم القائمة 12 لاعبا لم يسبق لهم اللعب بكأس العالم، لكن المدرب الإسباني جولين لوبيتيغي اختارهم لبناء فريق للمستقبل وإكسابهم الخبرة الدولية، تمهيدا لجمل الراية من جيل أكرم عفيف وحسن الهيدوس والمعز علي.
المشاركة السابعة لـ«الأخضر»ولا يخفى على أحد أن «الأخضر» السعودي يخوض غمار مونديال 2026 وسط شكوك قوية بمدى قدرته على الصمود ومواصلة الطريق، وذلك بسبب التراجع الكبير في مستواه ونتائجه خلال السنوات القليلة الماضية، كما تعرض لهزة فنية بإقالة مدرب الفرنسي هيرفيه رينارد وتعيين اليوناني جورجيوس دونيس خلفا له.
وعلى الرغم من التاريخ الحافل للمنتخب السعودي ببطولات كأس العالم، إلا أنه يمر بمرحلة اهتزاز واضحة بسبب تأثر المستوى العام للكرة السعودية بمشاركة عدد كبير من اللاعبين الأجانب بالمسابقات السعودية المحلية.
«الأخضر» يخوض المونديال السابع له حيث بدأ رحلته مع العالمية بمونديال 1994 مرورا بمونديالات 1998 و2002 و2006 2018 و2022.
وتبقى مواجهة السعودية والأرجنتين بمونديال 2022 عالقة في الأذهان، حين تغلب «الأخضر» على ميسي ورفاقه بهدفين لهدف في مباراة تاريخية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك