لم تنته الأزمة السياسية في سوريا إثر انهيار نظام الأسد في كانون الأول 2024، بل تغيرت ظروفها.
فالسلطة التي حلّت محل بشار الأسد تواجه الآن السؤال ذاته الذي لازم الحياة السياسية في سوريا عبر أجيال متعددة، وهو: على أي أساس تدّعي أي حكومة حقها في الحكم، وكيف تحافظ على ذلك بعد تلاشي نشوة التحرير؟وهذا السؤال ليس بجديد في بيئة ما بعد النزاع، إلا أنه يكتسب أهمية عاجلة بسبب الوضع السوري، حيث ظهر مستوى كبير من الدمار الذي لحق بالمؤسسات، كما ظهرت سلطة حاكمة يثير تاريخها قلقاً كبيراً لدى شرائح واسعة من السكان، بالإضافة إلى وجود بيئة إقليمية تقف ضد بناء الدولة بتأن بما يحقق الشرعية المستدامة.
يتمثل الخطر المركزي الذي يواجه المرحلة الانتقالية في سوريا بتجميد الشرعية الثورية؛ أي تحويل الشرعية المستمدة من إسقاط النظام المخلوع إلى مبرر دائم ومغلق للحكم، بحيث تحل محل العمل الأطول والأصعب المتمثل في بناء شرعية الدولة على أسس دستورية وتمثيلية ومؤسسية، بدلًا من أن تكون مجرد نقطة انطلاق لذلك، لأن هذه الدينامية أدت إلى تعثر عدد من التحولات السياسية ما بعد الثورات، رغم أنها بدأت بزخم شعبي كبير وإمكانات سياسية حقيقية.
تعد أعمدة السلطة التي قدمها عالم الاجتماع ماكس فيبر، والتي تتمثل بالجانب التقليدي والكارزمي والعقلاني-القانوني نقطة انطلاق لا نقطة وصول، ويوضح هذا التصنيف مصادر الشرعية، لكنه لا يفسّر ديناميات انتقالها أو إعادة إنتاجها.
فالسؤال الأهم ليس فقط: من أين تستمد السلطة شرعيتها؟ بل أيضًا: كيف تحافظ على هذه الشرعية وتحوّلها إلى أساس مستدام للحكم عندما تتغير الظروف التي منحتها إياها بالأصل؟ وهذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في حالات ما بعد الثورات أو النزاعات، حيث غالبًا ما تجد الحركات التي وصلت إلى السلطة بفضل التعبئة الشعبية أو الكاريزما الثورية نفسها مضطرة إلى إدارة مؤسسات الدولة وفق قواعد وإجراءات تختلف جذرياً عن الظروف التي أوصلتها إلى الحكم.
يرى عالم الاجتماع الأميركي سيمور مارتن ليبست أن الأنظمة السياسية قد تكون فعّالة من دون أن تكون شرعية، كما يمكن أن تتمتع بالشرعية من دون أن تكون فعّالة.
والحقيقة المرة بالنسبة للاستقرار على المدى الطويل تحتم وجود كلٍّ من الفعالية والشرعية في علاقة متبادلة ومنتجة، في حين أن معظم الأنظمة الخارجة من النزاعات ترث مستويات متدنية من الاثنين معاً، مما يجعل الحكم الانتقالي أصعب عملياً مما يبدو عليه نظرياً.
أما ديفيد بيتهام فيرى بأن السلطة لا تصبح شرعية فعلاً إلا إذا استوفت ثلاثة شروط في آن معاً، وهي: التزامها بقانون واضح قابل للتبرير بالاستناد إلى قيم يتشاركها أفراد المجتمع السياسي؛ إلى جانب توفر ما يثبت موافقة الناس على الخضوع لهذه السلطة.
وعند تطبيق هذا الإطار على سوريا، يبرز أمر لافت؛ إذ يمكن للسلطة الحاكمة الجديدة أن تدّعي، استيفاء الشرط الأول بوجود إعلان دستوري يوفر الأساس القانوني الشكل لسلطتها، ولكن لا يمكنها أن تدعي بأن قواعدها تستند إلى قيم مشتركة بين مختلف المكونات السورية المتنوعة.
كما أن التعبير الفعلي عن الموافقة الشعبية عبر الانتخابات أو غيرها من الآليات التشاركية الشاملة، ما يزال غائباً.
يؤكد فرانسيس فوكوياما بأن" الدولتية"، أي القدرة المؤسسية المسبقة للدولة، تمثل شرطًا ضروريًا لأي تطور سياسي مهم، ويشمل ذلك بناء حكم شرعي، وفي سوريا، فإن المؤسسات شهدت دماراً أو فساداً بشكل جعل مسألة إصلاحها على الفور ضرباً من المستحيل.
ويشدد الباحثان خوان لينتس وألفرد ستيبان على أهمية" الدولتية" بوصفها شرطاً مسبقاً لترسيخ الديمقراطية.
فهما يريان أن الانتقال الناجح يتطلب بناء خمسة مجالات مترابطة في الوقت ذاته وتضم: المجتمع المدني، والمجتمع السياسي، وسيادة القانون، والبيروقراطية الحكومية، والاقتصاد المجتمعي.
بيد أن حجم الدمار المؤسساتي الذي شهدته سوريا يجعل هذه المهمة أعقد مما يفرضه أي إطار نظري.
حالات مشابهة لخلق الشرعيةتميل الدراسات المتعلقة بالتحولات السياسية ما بعد الثورات إلى التأرجح بين نزعتين متعارضتين ولكن غير مُرضيتين بالقدر نفسه: الأولى هي الاحتفاء المفرط بالحالات التي تبدو ناجحة، والثانية هي نوع من الحتمية المتشائمة تجاه الحالات التي أخفقت.
ولا تبدو أي من هاتين النزعتين مفيدة بشكل خاص عند التفكير في الحالة السورية.
فما يقدمه السجل المقارن في الواقع هو مجموعة متنوعة من الأمثلة التحليلية التي توضح الظروف التي ينجح أو يفشل فيها تحويل الشرعية الثورية إلى شرعية دولة، والأسباب الكامنة وراء ذلك.
تمثل إيران بعد ثورة عام 1979 الحالة الأقرب إلى الوضع السوري من حيث الطبيعة الأيديولوجية للسلطة الحاكمة، فقد نجحت الحكومة الثورية الإيرانية في إضفاء الطابع المؤسسي على سلطتها من خلال هندسة دستورية متعمدة وإنشاء هياكل دولة موازية عززت مكاسب الثورة ورسختها، وبذلك استطاعت تحقيق قدر كبير من الاستمرارية والاستقرار السياسي.
غير أن هذا الاستقرار تحقق عبر الإقصاء السياسي وتقييد التعددية الداخلية بصورة منهجية، ما أدى لظهور دورات متكررة من الاحتجاج والمقاومة الشعبية.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى التجربة الإيرانية باعتبارها قصة نجاح فيما يتعلق بالاستقرار واستمرارية النظام.
لكنها تبدو أكثر التباساً عندما يتعلق الأمر بمسألة الشرعية؛ إذ إن بقاء النظام وقدرته على الاستمرار لا يعني بالضرورة امتلاكه شرعية متجددة أو توافقاً موسعاً ودائماً داخل المجتمع الذي يحكمه.
ولعل الجزائر أبلغ مثال لتجسيد مخاطر تجميد الشرعية الثورية، فقد هيمنت الرواية التأسيسية المناهضة للاستعمار التي تبنتها جبهة التحرير الوطنية على الوضع السياسي لدرجة أنها أغلقت المجال أمام أي منافسة سياسية لعقود طويلة.
ولم يؤدِّ ذلك إلى الاستقرار، بل خلق أزمة عنيفة خلال تسعينيات القرن الماضي.
أما جنوب أفريقيا فقد قدمت درساً مهماً حول دور شكل الدستور والتفاوض الشامل في تحويل شرعية التحرير إلى شرعية أكثر استدامة، إلا أن الدولة في جنوب أفريقيا ورثت جهاز دولة فعال، على الرغم من أنه اتسم بالظلم، إلى جانب وجود معارضة منظمة تمتلك قدرة تفاوضية فعلية، ناهيك عن استثمار المجتمع الدولي في نجاح تلك العملية الانتقالية.
وسوريا في عام 2025 لا تمتلك أياً من هذه المزايا البنيوية.
وتقدم ليبيا مثالًا آخر، وذلك عندما أنتجت اللحظة الثورية تغييراً سياسياً من دون أن يرافقه بناء حقيقي للمؤسسات، فكانت النتيجة تفككاً طويل الأمد واختفاءً شبه كامل لسلطة الدولة المركزية الفاعلة.
وهذا هو بالضبط هو السيناريو الذي حذّر منه الباحث رولاند باريس عندما أشار إلى مخاطر الانفتاح السياسي السريع قبل بناء المؤسسات.
أما رواندا فتُعد الحالة الأشد تعقيداً من الناحية التحليلية، لأن شرعية الجبهة الوطنية الرواندية استندت إلى أساس أخلاقي استثنائي تمثل بإنهاء الإبادة الجماعية، ما ساعدها على تعزيز سلطتها بصورة استبدادية نسبياً من دون أن يؤدي ذلك إلى تجدد واسع للعنف.
ومع ذلك، لا تعتبر رواندا نموذجاً مستداماً للشرعية لأن ما حصل قد يكون مجرد تأجيل لضغوط سياسية واجتماعية قد تجد منافذ أخرى للتعبير عن نفسها مستقبلاً.
إن تحويل الشرعية الثورية إلى شرعية دولة ليس عملية تلقائية ولا نتيجة مضمونة بحكم البنية السياسية وحدها، بل يتطلب قرارات واعية، واستثماراً طويل الأمد في المؤسسات، وسلطة حاكمة مستعدة لتقبل قيود على نفوذها قبل أن تفرضها عليها الضغوط الداخلية أو الخارجية وهذا ما لخصه الباحث تشارلز كول بقوله: " إن إشراك الخصوم السابقين في الحكم بعد الحرب يلعب دوراً حاسماً في تحقيق سلام مستدام".
التحديات التي تواجهها الشرعية في سورياتشترك سوريا مع هذه الحالات ببعض السمات البنيوية، لكنها تتسم بتعقيدات أخرى، وعلى رأسها عمق التدمير الذي طال المؤسسات، فقد ورثت السلطات الجديدة" دولة مفلسة وفاسدة، ومحرومة من الموارد البشرية والمادية".
كما تعرض كل من القضاء، والخدمة المدنية، وقطاع الأمن، والبنية التحتية التعليمية، ونظام الصحة العامة، إما للتدمير المادي أو للتشويه بفعل خمسة عشر عاماً من ديناميات الحرب، فلم تعد قادرة على العمل كأساس لحكم انتقالي من دون عملية إعادة بناء لابد أن تستغرق سنوات لا أشهر.
وهذا يخلق مشكلة متكررة تظهر في سياقات ما بعد النزاع، إذ لا يمكن بناء الشرعية عبر مؤسسات غير موجودة أصلاً، لكن بناء هذه المؤسسات يتطلب مستوى من الشرعية لم يتحقق بعد، ولا مخرج من هذه الحلقة المفرغة حتى اللحظة.
على الرغم من أن هيئة تحرير الشام أبدت قدراً كبيراً من البراغماتية الاستراتيجية في انتقالها نحو نموذج حكم أكثر تكنوقراطية، فإنها لا يمكن أن تتبرأ من تاريخها السابق، والمجتمعات التي تحكمها اليوم، سواء الكردية، أو المسيحية، أو الدرزية، أو العلوية، إلى جانب سكان المدن العلمانيون، لديهم أسبابهم الموضوعية للتحفظ، وهذه التحفظات لا تعالج بخطاب يتضمن تطمينات فحسب.
أما الإعلان الدستوري لعام 2025 فيمثل محاولة لتأسيس إطار قانوني رسمي للفترة الانتقالية.
ويصفه الباحث فضل عبد الغني بأنه: " خطوة أولى ضرورية" نحو بناء أسس قانونية للحكم الانتقالي، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن مضمونه: " يكشف عن توجهات مختلطة" تثير تساؤلات مشروعة حول مدى كفايته لتأسيس حكم يتمتع بشرعية واسعة تتطلبها تعقيدات المشهد السوري.
إن إعلانًا دستوريًا يركز السلطة دون إنشاء آليات قوية للمساءلة المؤسسية يحقق الشرط الأول الذي وضعه الباحث ديفيد بيتهام لكنه لا يحقق الشرطين الثاني والثالث (أي التبرير القيمي المشترك والتعبير الفعلي عن الموافقة.
أما البعد الجيوسياسي فيمثل التعقيد الثالث، بما أن كلاً من تركيا وإسرائيل وروسيا تحركت على الفور لحماية مصالحها داخل الأراضي السورية بعد سقوط الأسد، بأساليب قوض معظمها فرص الانتقال السلمي.
تشكل العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في الجنوب، وتوسيع مناطق النفوذ العازلة، تهديداً مباشراً ومستمراً للسيادة السورية، وفي ذلك تحدٍ لا تملك السلطة الجديدة الأدوات المؤسسية الكافية للتعامل معه، مما يضغط على مبدأ الشرعية بشكل لا يمكن للإصلاح المؤسسي الداخلي وحده أن يحله.
فالدولة التي لا تستطيع حماية وحدة أراضيها تتعرض لتشكيك بالنسبة لسلطتها السياسية الأساسية.
التوتر بين الاستقرار والشرعيةيرى رولاند باريس بأن الدفع نحو التعددية السياسية بسرعة مفرطة، قبل إنشاء مؤسسات قادرة على إدارة السياسة التنافسية بشكل سلمي، قد يؤدي إلى زيادة احتمالات العنف بدل تقليلها، وعليه، فإن انزلاق سوريا إلى حالة من التفكك بين فصائل مسلحة متنافسة لابد أن يتحول إلى كارثة إنسانية بكل المقاييس.
ومن هذا المنظور، فإن ميل السلطة الجديدة إلى ترسيخ السيطرة المركزية قبل توسيع المجال السياسي لا يعكس مجرد نزعة سلطوية مغلّفة بخطاب الدولة، بل يعبر عن تقدير صعب بالفعل لتسلسل الأولويات في بيئة شديدة الهشاشة.
ومع ذلك، فإن السعي لتحقيق الاستقرار عبر ترسيخ السلطة يعيد إنتاج المشكلة السياسية ذاتها التي خرجت منها سوريا بعد تكلفة هائلة، لأن وجود نظام سياسي مستقر لكنه إقصائي تحت إدارة جديدة لا يعتبر حلاً للأزمة السورية، إنما تأجيل لها، ولابد أن يسفر ذلك عن أزمات أشد حدة بعد مدة من الزمن.
الحل المقترح: نموذج هجين للشرعية الانتقاليةيستند هذا النموذج إلى الإطار متعدد الأبعاد الذي قدّمه ديفيد بيتهام، وتسلسل «المأسسة قبل التحرير» الذي طرحه رولاند باريس، مع النتائج التي خلص إليها تشارلز كول بالنسبة للإدماج السياسي، إضافة إلى تأكيد سيمور مارتن ليبسيت على العلاقة بين الفاعلية والشرعية.
إن الشرعية الثورية، أي السلطة المستمدة من إسقاط نظام الأسد، تمثل المورد السياسي الأولي للسلطة الحاكمة الجديدة في سوريا.
وهذه الشرعية حقيقية ولا ينبغي التقليل من شأنها، لكنها تتآكل بطرق لا يمكن للإرادة السياسية وحدها إيقافها، أما التعامل معها بصفتها دائمة فهو بالضبط ما يوصف بتجميد الشرعية.
أما الشرعية الأمنية، أي القدرة الملموسة على استعادة الأمان الجسدي، وضبط المسلحين، وعودة الحياة اليومية لسابق عهدها، فتمثل البديل المتاح في المرحلة المبكرة، وهي المجال الذي تستثمر فيه السلطة الجديدة بشكل كبير في الوقت الراهن، لكن توفير الأمن وحده، ينتج حالة من الامتثال وليس الشرعية بمعناها الكامل.
وهنا تصبح الشرعية القائمة على الأداء المستمدة من القدرة الفعلية على تقديم الخدمات الأساسية وإحداث تحسّن قابل للقياس في الظروف المعيشية أهم مع ابتعاد المرحلة الانتقالية عن نقطة البداية، لأن الحكومة التي تعجز عن تحسين الحياة اليومية بشكل ملموس ستستنزف رصيدها الثوري بأسرع مما تتوقع.
أما الشرعية التمثيلية القائمة على الإدماج الحقيقي لمختلف مكونات المجتمع السوري في العمليات السياسية وقرارات الحكم، فهي الأهم بالنسبة للديمومة، إذ يؤكد تحليل جامعة LAU لمسألة الحكم في سوريا بأن الحوكمة الشاملة يجب أن تتجاوز مجرد التقاسم الشكلي للسلطة، بحيث تشمل معالجة المشكلات الملموسة للنازحين والأقليات والفئات المهمشة سابقاً.
وتستند الشرعية الدستورية إلى القواعد المدوّنة، والمساءلة المؤسسية، واستقلال القضاء، والتطبيق المتوافق مع القانون، وهي في النهاية الشكل الذي يحدد ما إذا كان النظام السياسي في سوريا قادراً على البقاء بعد تراجع سلطة الجيل المؤسس.
والنقطة الحاسمة هي أن أشكال الشرعية الخمسة هذه يجب أن تتطور في وقت واحد، لا بالتتابع.
كما أن نسبة التركيز على كل شكل من هذه الأشكال يمكن أن تتغير مع تقدم المرحلة الانتقالية، لكن لا يمكن تأجيل أي منها إلى حين اكتمال الأخرى.
إن رهانات اللحظة الانتقالية الحالية في سوريا ليست رهانات مجردة، بل تُقاس من خلال معايير الحياة اليومية التي يعيشها شعب دفع ثمناً باهظاً لإزالة نظام سياسي، ثم أصبح اليوم يتساءل عن طبيعة وشكل الحكم الذي حل محله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك