من تونس إلى الرباط، وصولاً إلى العواصم الأوروبية، لم يعد الغش في الامتحانات الوطنية يعتمد على القصاصات الورقية التقليدية، بل انتقل تدريجياً إلى السماعات الذكية المتصلة، ثم إلى الذكاء الاصطناعي.
هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل ما زال بالإمكان مراقبة الامتحانات في عصر أصبح فيه كل هاتف ذكي يضم مساعداً قادراً على كتابة مقال كامل في غضون ثوانٍ؟لم تكن الساعة قد تجاوزت الثامنة صباحاً يوم الأربعاء 3 جوان 2026، عندما تحولت الدورة الرئيسية لامتحان البكالوريا في تونس إلى محور جدل واسع.
فقد نشرت إحدى المدرسات مقطع فيديو عرضت فيه موضوع إنشاء أنجزه الذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن موضوع الامتحان تم تداوله بعد دقائق قليلة من انطلاق الاختبار.
وانتشر المقطع بسرعة كبيرة خلال ساعات، ليجسد حجم التحدي الذي تواجهه الامتحانات الوطنية اليوم: فالغش لم يعد يقتصر على التحايل على المراقبة، بل أصبح يسبق المؤسسات نفسها بخطوات.
ويجتاز هذا العام 162,435 مترشحاً الدورة الرئيسية للبكالوريا التونسية المنظمة بين 3 و10 جوان 2026، مقابل 151,808 مترشحين سنة 2025، أي بزيادة قدرها 10,627 مترشحاً.
ومنذ الأيام الأولى، أكدت السماعات المصغرة، والنظارات الذكية، والمجموعات المتخصصة على “فيسبوك”، إضافة إلى الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي، أن مكافحة الغش أصبحت سباقاً تكنولوجياً حقيقياً.
الغش لا يتزايد في كل مكان… لكنه يزداد تعقيداًالملاحظة الأولى، وربما المفاجئة، هي أن حجم الغش في امتحان البكالوريا لا يشهد انفجاراً في الأرقام.
ففي تونس، تراجع عدد الحالات المسجلة.
ففي سنة 2024 تم تسجيل 821 حالة غش خلال الدورة الرئيسية، كان 83% منها مرتبطاً باستخدام أجهزة إلكترونية.
أما في سنة 2025 فقد انخفض العدد إلى 647 حالة، موزعة بين 433 حالة في المؤسسات العمومية، و143 حالة في المؤسسات الخاصة، و71 حالة بين المترشحين الأحرار.
وبذلك تراجع الغش من حيث العدد، غير أن أساليبه أصبحت أكثر تطوراً من الناحية التكنولوجية.
ولم تختفِ القصاصات الورقية المكتوبة بخط اليد تماماً، لكنها أصبحت هامشية مقارنة بالوسائل الحديثة.
وتتمثل أكثر الظواهر إثارة للقلق بالنسبة للسلطات في الطابع الاحترافي المتزايد لشبكات الغش.
إذ تتحدث المصالح المختصة اليوم عن تنظيمات حقيقية ومنظمة تنشط عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وتعرض “حزم خدمات” موجهة للمترشحين.
ومن بين المعدات التي تم حجزها خلال الأشهر الأخيرة: سماعات دقيقة جداً، وأقلام مزودة بتقنية “بلوتوث”، وبطاقات اتصال، ونظارات ذكية، وحتى طائرة مسيّرة.
لقد تحول الغش إلى سوق قائمة بذاتها.
وفي مواجهة هذا التحول، يحاول المشرّع تدارك التأخر الحاصل.
ففي ماي 2026، تقدم عدد من النواب بمقترح قانون ينص على عقوبات تتراوح بين سنة وخمس سنوات سجناً بحق منظمي وممولي ومعدّي شبكات الغش، إضافة إلى غرامات تتراوح بين 20 ألفاً و100 ألف دينار.
ولا يزال المشروع في انتظار استكمال مساره البرلماني قبل دخوله المحتمل حيز التنفيذ.
كيف يتدخل الذكاء الاصطناعي فعلياً؟من الضروري هنا توضيح نقطة يكثر بشأنها الخلط.
فامتحان البكالوريا اختبار كتابي يتم تحت المراقبة المباشرة، ولا يمكن ببساطة نسخ نص أنتجه الذكاء الاصطناعي كما يحدث في الواجبات المنزلية.
لذلك، يتسلل الذكاء الاصطناعي إلى الامتحان بطرق غير مباشرة.
الطريقة الأولى تتمثل في المساعدة الفورية؛ إذ يقوم شخص خارج مركز الامتحان بطرح الأسئلة على نموذج ذكاء اصطناعي ثم يملي الإجابات على المترشح عبر سماعة خفية.
وهنا لا يحل الذكاء الاصطناعي محل الجهاز المتصل، بل يضاعف من فعاليته.
أما الطريقة الثانية فتتمثل في استغلال تسريب المواضيع.
فعندما يتم تداول موضوع الامتحان قبل موعده، يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج نموذج إجابة كامل في غضون ثوانٍ، كما أظهر الحادث الذي شهدته تونس هذا الأسبوع.
المغرب من أوائل من نظموا الردكان المغرب من أوائل دول المنطقة التي بادرت إلى مواجهة هذه الظاهرة.
فخلال دورة 2026، التي شملت نحو 520 ألف مترشح، عمّمت السلطات استخدام معرفات فردية مزودة برموز الاستجابة السريعة (QR Code)، كما وزعت ألفي جهاز كشف إلكتروني لرصد الهواتف النشطة داخل مراكز الامتحان.
ويهدف هذا النظام إلى التصدي لتزايد استخدام السماعات الخفية وخدمات المساعدة الفورية، وكذلك للحد بصورة غير مباشرة من الاستفادة من الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي.
ولا تقتصر هذه الظاهرة على دول المغرب العربي.
ففي المملكة المتحدة، حيث تتوفر أكثر الإحصاءات دقة، مثلت الهواتف والأجهزة المتصلة 44.
3% من حالات الغش المعاقب عليها خلال امتحانات صيف 2025، أي ما يعادل 2,225 حالة.
وهي الفئة الأولى من الغش المسجلة سنوياً منذ عام 2018.
أما في فرنسا، فقد ارتفع عدد ملفات الغش المعروضة على اللجان المختصة بنسبة 14% بين عامي 2023 و2024، وكان أكثر من نصفها مرتبطاً بالتقنيات الحديثة.
ويثير الذكاء الاصطناعي هناك خطراً معاكساً لا يقل خطورة، يتمثل في الاتهامات غير المؤسسة.
ففي عام 2025، أُلغي نجاح أحد المترشحين في البكالوريا الفرنسية، رغم السماح له باستخدام الحاسوب بسبب إعاقة، بعدما اشتبهت الجهات المختصة في استعانته بالذكاء الاصطناعي بسبب أسلوب كتابي اعتُبر غير مألوف.
وتكشف هذه القضية جانباً آخر من المشكلة: فغياب وسائل موثوقة للكشف قد يؤدي بدوره إلى اتهامات هشة وغير مؤكدة.
الحل لا يقتصر على تشديد المراقبةوربما تكون هذه هي النقطة الأهم، لأنها تتجاوز البعد التقني البحت.
فعمليات التشويش على الإنترنت، وقطع الشبكات، وحجز المعدات، تبقى إجراءات دفاعية يعترف المراقبون أنفسهم بأنها تجد صعوبة في مواكبة التطورات، إذ تتطور شبكات الغش بوتيرة أسرع من الوسائل المخصصة لمكافحتها.
وربما جاءت أكثر المقاربات واقعية من الرباط، حيث طرح وزير التربية السؤال من زاوية مختلفة: ففي زمن أصبح فيه الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع عبر الهاتف المحمول، لا يكمن الحل في المراقبة فقط، بل أيضاً في إعادة تصميم الامتحانات لتقييم التفكير الشخصي، والقدرة على بناء الحجج، والتحقق من المعلومات، والدفاع شفوياً عن منهجية العمل، وهي مهارات يصعب تفويضها سراً إلى آلة.
وهكذا يخوض امتحان البكالوريا، الذي يظل أبرز رمز للارتقاء الاجتماعي في المنطقة، معركة تتجاوز حدوده التقليدية.
فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بنزاهة امتحان، بل بقدرة المدرسة على قياس ما يستطيع التلميذ فهمه وبناؤه والدفاع عنه فعلياً، في عالم باتت فيه الآلة قادرة على إنتاج الإجابة بدلاً منه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك