رجّح أربعة نواب جمهوريين في مجلس النوّاب الأميركي حظوظ مشروع قرار تقدّم به النوّاب الديمقراطيون للحدّ من صلاحيات دونالد ترامب في شنّ الحرب على إيران، مع دعوته إلى إنهائها، وليس مجرّد الإسراع في التفاوض لوضع حدّ لها.
وبهذا، وجّه المجلس، الذي يسيطر عليه الجمهوريون، تحدّياً نادراً للرئيس في ولايته الثانية، وأفقده القدرة على ادّعاء أنّ شنّ الحرب يحظى بموافقة الأميركيين أو يحقّق مصالحهم.
بينما يسع النوّابَ الجمهوريين الأربعة: توماس ماسي، وبرايان فيتزباتريك، وتوم باريت، ووارن ديفيدسون، القول إنّهم قد أصغوا أوّلاً وأخيراً إلى أصوات ناخبيهم قبل التجاوب مع دعوات زملائهم الديمقراطيين.
وليس بمستغرب أن يتعامل ترامب مع قرار الكونغرس بتقييد صلاحياته بانفعال شديد، وأن يتمسّك بالحدّ الأقصى من صلاحياته الرئاسية، بما فيها استخدام حقّ نقض القرار، وأن يعتبر مجلس الشيوخ إلى جانبه (وهو كذلك حتّى الآن)، وأن ما جرى الأربعاء الماضي يُضمر نيّةً شريرةً للتصعيد ومحاولة عزله، بيد أنّ الصحيح والمنطقي أنّ خطوة الكونغرس توفّر مسبقاً غطاءً للرئيس كي يمضي في التفاوض مع إيران، وكي ينزل بأمان عن الشجرة العالية، من أجل التوصّل إلى اتفاق مؤقّت يمهّد لاتفاق دائم يحقّق بعض مطالب الطرفَين.
وقد يرى بعضهم أنّ قرار الكونغرس يخلط الأوراق، أو قد يشكّل عنصراً شديد السلبية على جهود الإدارة في التفاوض، كما ذهب رئيس مجلس النوّاب الجمهوري مايك جونسون.
غير أنّ ترامب نفسه، وقد أدرك أنّ الحرب تخرج عن السيطرة، وقد لام صديقه" المجنون" بنيامين نتنياهو على التصعيد الدموي في لبنان، ووجّه له ما يليق به من شتائم، وقد بات القاصي والداني يعرف أنّ" المجنون" هو من ألحّ مراراً وتكراراً على سيّد البيت الأبيض في شنّ الحرب من أجل إسقاط النظام الإيراني خلال بضعة أيّام من الحرب ما إن تُستهدف القيادات، وأنّ ثمّة خياراً آخر على الطاولة، وهو التفاوض الذي أخذت به الإدارة، وأوقفته في لحظة ذروة تفاوضية، بعد أن فعلت ألاعيب" المجنون" فعلها في تزيين صورة حرب سهلة في نظر ترامب وبعض فريقه.
توفّر خطوة الكونغرس مسبقاً غطاءً للرئيس كي يمضي في التفاوض مع إيران، وكي ينزل بأمان عن الشجرة العاليةوفي الجانب الآخر، ممثّلاً في إيران، أثار قرار الكونغرس مشاعر الطرب لدى القيادات هناك، وقد يجعلهم يتصوّرون أن الشعب الأميركي بات يقف في صف القيادات الإيرانية الحالية، وليس إلى جانب ترامب وفريقه، مع تجاهل أنّ الكونغرس يختار توجّهاته بإرادة أعضائه المنتخَبين، وأنّه لو كان في إيران مجلس نوّاب منتخَب في ظروف طبيعية وضمن معايير سليمة لاعترض على كثير من السياسات الرسمية مثل محاولة السيطرة على مضيق هرمز وانتزاع رسوم من البواخر العابرة.
وعلى الأغلب، فإنّ موقف الكونغرس لن يضغط على ترامب لتقديم تنازلات ذات شأن، لكنّ هذا الموقف من شأنه أن يمنح الرئيس دفعةً كبيرةً للمضي في التفاوض، وعدم الانسياق إلى حرب طويلة مدمِّرة، وبصرف النظر عن التصريحات الانفعالية المتوقَّعة، وكذلك عن التقلّبات في المواقف بين عشية وضحاها، بل بين ساعة وأخرى، ممّا هو معهود عن الرئيس.
ويكتسب قرار مجلس النوّاب أهميته في أنّه تزامن مع اتفاق رعاه فريق ترامب لوقف إطلاق النار في لبنان، وقد جرى التمهيد لهذا القرار باتصالات أجراها الفريق مع قياديين في حزب الله (على غرار اتصالات جرت من قبل مع ممثّلين لحركة حماس)، وإعلان ترامب أنّ الحزب يوافق على وقف إطلاق النار، وهو ما يعني أنّ الإدارة والمجلس التشريعي في واشنطن يجنحان إلى تهدئة طويلة تشمل لبنان الذي تتعرّض مناطق واسعة منه للتدمير على يد" المجنون"، وهو يرفض الاتفاق الجديد ويسعّر اعتداءاته ضدّ هذا البلد.
أدرك ترامب أنّ الحرب في لبنان تخرج عن السيطرة ولام" المجنون" نتنياهووبينما يجري ترقّب ما ينجم عن هذه التطوّرات من تفاعلات، فالثابت (والواضح) أنّه بينما تنعكس الحرب على إيران على استقرار منطقة الشرق الأوسط، وعلى أسعار الطاقة، وعلى سلاسل التوريد، فإنّ هذا الأمر، الذي ينعكس بالسلب على الأمن والسلم الدوليَّين، يبقى التحكّم به بيد شخصَين، هما ترامب ونتنياهو، سواء اتفقا حول هذه المسألة أو تلك، فيما يبرز غياب المراكز الدولية عن أداء دور مؤثّر في مسار التسويات المنشودة.
لقد كان يُؤمَل، مثلاً، أن تؤدّي زيارة ترامب بكين إلى تهدئة الوضع، وإلى بروز جهد صيني تجاه أميركا وإيران لوقف الحرب، غير أنّ الصين اكتفت بتسجيل مواقف مبدئية ضدّ إغلاق مضيق هرمز أو السيطرة عليه من طرف واحد، وضدّ استمرار الحرب، وضدّ ما تتعرّض له دول الخليج من اعتداءات، ولسان حالها أنّ من أشعل نيران الحرب عليه أن يطفئها.
وكأن أضرار الحرب وخسائرها تقع على طرف واحد أو على طرفَين، وليس على دول كثيرة وشعوبها، بينها الصين نفسها.
ونستذكر أنّ الوسيط الباكستاني دعا الأصدقاء الصينيين إلى لعب دور الضامن لتسهيل اتفاق مأمول لوقف الحرب، غير أنّ ترشيحها هذا لا يقع، كما هو بادٍ، ضمن طموحات الصين، أو ربّما أولوياتها.
على أنّه يتعيّن الأخذ في الاعتبار أنّ موقف الكونغرس يدعو إلى الانتقال من حالة وقف إطلاق النار إلى إنهاء الحرب، بما يعني أنّ المواجهة العسكرية متوقّفة إلى إشعار آخر، ويجب أن تتوقّف بصورة كاملة وفق منظور الكونغرس، فيما التداعيات الخطيرة على لبنان مستمرّة، كما على قطاع غزّة المدمَّر.
إذ لا يريد نتنياهو ورهطه لدورة التوحّش أن تتوقّف.
لقد تقدّمت الإدارة في واشنطن بخطوة إلى الأمام في إعلانها اتفاقاً ترعاه لوقف إطلاق النار في لبنان، وواقع الحال أنّ فرض وقف الحرب على هذا البلد يشكّل امتحاناً وفرصةً لترامب كي يبرهن على مكانته، وعلى نفوذه ونفوذ بلاده، وما يمليه هذا من تقييد حركة" المجنون" وكبح سعاره الدموي، وقبل أن ينضمّ مزيد من النوّاب الجمهوريين إلى مساعي زملائهم الديمقراطيين لوقف مسلسل الحروب في الشرق الأوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك