لمتعدكلمة«المستريح»مرتبطةبشخصواحدأوواقعةبعينها، بلتحولتخلالالسنواتالأخيرةإلىظاهرةاجتماعيةمتكررة، تقومفيجوهرهاعلىواحدةمنأخطرخرافاتالعصرالحديث؛ الربحالسريعدونمجهود، منمنصةإلكترونيةتعدالناسبأرباحخيالية، إلىتاجرذهبأوسياراتأوحتىأرانب، أوصاحبشركةمكملاتغذائية، أوسيدةتدّعيامتلاكحصةسكرمنالمصانع، تتكررالحكايةنفسهابأسماءووجوهمختلفة، بينمايبقىالضحيةواحدًا؛ مواطنيبحثعنالمالالسهلبلاعمل، فيسقططواعيةداخلشبكةنصبمُحكمة.
ورغم التحذيرات الأمنية المستمرة، وتاريخ طويل من حوادث النصب (مثل قضايا توظيف الأموال منذ ثمانينات القرن الماضي)، إلا أن الضحايا لا يزالون يسقطون في شراك المحتالين.
خلال الأيام الماضية، ألقت أجهزة الأمن بالإسكندرية القبض على صاحب محل ذهب ونجله، بعد اتهامهما بالنصب على المواطنين بدعوى استثمار أموالهم في تجارة الذهب مقابل أرباح شهرية، الواقعة لم تكن جديدة في مضمونها، لكنها كانت نسخة مكررة من السيناريو نفسه؛ وعود بأرباح مضمونة، ثقة يكتسبها المتهم بحكم عمله في تجارة الذهب، ثم أموال تتدفق من الضحايا، قبل أن تبدأ الشكوك في الظهور بعد توقف الأرباح واختفاء الأموال.
وقبلها بأيام، عاد اسم «مستريح السيارات» إلى الواجهة من جديد، بعدما أصدر القضاء أحكامًا متتالية بحقه في قضايا نصب على المواطنين، فـ»أمير هلالي»، الذي استغل صفته كرجل أعمال، أوهم ضحاياه بقدرته على استيراد سيارات بأسعار أقل من السوق، ليجمع ما يقرب من ملياري جنيه من مئات المواطنين، ثم يهرب خارج البلاد، قبل أن يتم القبض عليه وتصدر أحكام قضائية ضده، في مجموعها تصل إلى السجن 30 عامًا، وهي أحكام بحبسه 3 سنوات فى كل قضية من أصل 10 قضايا منظورة.
المثير هنا، أن كثيرًا من الضحايا دخلوا المشروع وهم يعلمون أن الأسعار التي يعرضها غير منطقية، لكن حلم الربح السريع والحصول على سيارة بسعر أقل كان كافيًا لإسكات أي شكوك.
وفي الإسكندرية والجيزة أيضًا، ظهرت مؤخرًا قضية «مستريح المكملات الغذائية»، بعدما حرر عدد من الأطباء بلاغات ضد رجل أعمال استولى على ملايين الجنيهات بحجة استثمارها فى تجارة الأجهزة الطبية والمكملات الغذائية، فالمتهم لم يكن شخصًا مجهولًا، بل كان يتعامل مع ضحاياه منذ سنوات، وقدم لهم شيكات وإيصالات أمانة، بل وأوهمهم بوجود صفقات توريد حقيقية وأرباح شهرية تصل إلى 10%.
المفارقة هنا أن الضحايا لم يكونوا بسطاء أو قليلي التعليم، بل أطباء وأصحاب شهادات عليا؛ إذ أن التحقيقات الأولية كشفت أن حجم المبالغ التي استولي عليه «مستريح المكملات الغذائية»، وصلت إلى 800 مليون جنيه، تحصل عليهم من 100 طبيب، أي أنه في المتوسط، دفع له كل طبيب 8 ملايين جنيه ليستثمرهم في الفيتامينات!وقبل هذه الوقائع بقليل، استيقظ المصريون على واحدة من أشهر عمليات النصب الإلكتروني، وهي قضية منصة «FBC»، التي أوهمت آلاف المواطنين بإمكانية تحقيق أرباح تصل إلى 40 و50% مقابل إيداع أموالهم داخل التطبيق!المنصة قدمت نفسها باعتبارها مشروعًا تكنولوجيًا واستثماريًا حديثًا، بينما كانت في حقيقتها نسخة إلكترونية متطورة من فكرة «المستريح» التقليدية.
لكن الأخطر في الواقعة، لم يكن فقط حجم الأموال التي جُمعت، والتي قُدرت بالمليارات، بل الطريقة التي تم بها إقناع الناس.
فالقائمون على المنصة استعانوا ببعض رجال الدين في فيديوهات دعائية، تحدثوا فيها عن «الرزق» و»الاجتهاد» و»الربح الحلال»، وكأن الدين أصبح شهادة ضمان للمشروع، ومع ظهور أصحاب اللحى والجلباب، سقطت شكوك كثيرين، وبدأت الأموال تتدفق من ضحايا ظنوا أن رجل الدين لا يمكن أن يشارك في النصب.
هذه الحيلة ليست جديدة، بل تكاد تكون واحدة من أخطر الأساليب التي يستخدمها “المستريح”، فالنصاب يدرك جيدًا أن الناس قد تشك في رجل الأعمال أو التاجر، لكنها غالبًا ما تطمئن عندما ترى شخصًا يتحدث باسم الدين أو يبدو ملتزمًا، لذلك يتحول الدين في بعض الوقائع إلى أداة لإضفاء الثقة على مشروع لا يملك أي أساس حقيقي.
الأمر نفسه تكرر قبل سنوات في محافظة المنيا، مع ما عرف إعلاميًا بـ”مستريح المنيا”، أو “مستر حسين”، الذي أقنع أهالي إحدى القرى بأنه مستثمر ناجح عاد من الخارج ليستثمر أموالهم في الرخام والصابون السائل.
وقتها، صنع الرجل لنفسه صورة «الرجل الصالح»، استعان ببعض رجال الدين الذين دعوا الأهالي إلى استثمار أموالهم معه، حتى أن أحدهم وقف على منبر المسجد في صلاة الجمعة يدعو الناس إلى استثمار أموالهم معه، مؤكدًا أن أرباحه مضمونة وأنه «رجل أمين».
وبالفعل، صدق الناس الرواية، وباع بعضهم ذهب زوجاتهم، وسحب آخرون تحويشة العمر، بينما استدان البعض أملاً في مضاعفة أمواله.
وخلال سنوات قليلة، جمع الرجل ما يقرب من مليار ونصف المليار جنيه، قبل أن تنهار المنظومة بالكامل ويكتشف الضحايا أنهم كانوا يعيشون داخل وهم كبير.
وفي المنيا أيضًا، ظهرت «مستريحة السكر»، وهي سيدة أوهمت ضحاياها بأنها تمتلك حصصًا ضخمة من السكر من المصانع، وأنها تحقق أرباحًا هائلة من إعادة بيعه، واستعانت بأوراق مزورة، وقدمت نفسها كمحامية وسيدة أعمال ناجحة، ودخلت في دوائر اجتماعية وعائلية منحتها مزيدًا من الثقة.
الضحايا، وبينهم أطباء ومغتربون وأصحاب مدخرات كبيرة، سلموها ملايين الجنيهات طمعًا في أرباح تصل إلى 50%.
بعضهم حصل على أرباح بسيطة في البداية، وهي الخدعة المعتادة التي يستخدمها أي «مستريح»، إذ يدفع أرباحًا محدودة لجذب مزيد من الضحايا، قبل أن يختفي فجأة بعد تضخم حجم الأموال.
المشهد هنا يكاد يكون واحدًا في كل القضايا؛ شخص يقدم نفسه باعتباره ناجحًا أو متدينًا أو صاحب علاقات قوية، ثم يبدأ في جذب ضحاياه بفكرة “الفرصة الذهبية” التي لن تتكرر، ومع أول مجموعة من الأرباح الوهمية، يتحول الضحايا أنفسهم إلى دعاية مجانية له، فيقنعون أقاربهم وأصدقاءهم بالدخول معه.
في حديثه لـ»أخبار الحوادث»، أوضح الدكتور طه أبو حسين، أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية؛ أن «المستريح» لا يبيع مشروعًا حقيقيًا، بل يبيع حلمًا، وهو حلم الثراء السريع، الذي يجعل البعض يتجاهل أبسط قواعد المنطق.
وأضاف «أبو حسين» قائلا: «فكرة أن يقتنع البعض بأن هناك تجارة يمكن أن تحقق أرباحًا شهرية بنسبة تصل لـ 100% دون أي مخاطرة في الأساس فكرة غير منطقية، لأن الأغلب يعي جيدًا أن الطرق المشروعة والقانونية لا تحقق أرباحًا كهذا، وعليه، فالذي يدفع «تحويشة عمره» لمستريح هو في الأصل شخص مغيب تمامًا عن الواقع، أو بالأحرى، لا يعرف ما الذي يدار حوله».
وأشار أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأمريكية؛ إلى أن النصاب لا يعتمد فقط على الكذب، بل يعتمد على فهمه لطبيعة ضحاياه، مؤكدًا أن النصاب يعرف أن الطمع أحيانًا يعطل التفكير، لدرجة تغييب العقل وأن كثيرين يريدون تصديق أي شخص يعدهم بالمال السريع، حتى لو كانت الأرقام نفسها غير قابلة للتصديق.
واختتم حديثه قائلا: «لذلك كله، لم تعد ظاهرة «المستريح» مجرد جرائم فردية معزولة، بل تحولت إلى ثقافة قائمة على الوهم، يدخلها النصاب من باب الطمع، ويخرج منها الضحايا بالخسارة والندم، وبين كل واقعة وأخرى، يبقى الدرس نفسه حاضرًا، لا يوجد طريق سحري للثراء، وكل من يعد الناس بأرباح خيالية دون مجهود، لا يبيع لهم مشروعًا، بل يبيع لهم خرافة حديثة اسمها المكسب السريع».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك