يدرس لبنان حالياً إقرار أكبر قانون عفو عام تشهده البلاد منذ 35 عاماً، وهو مشروع قانون أثار موجة من الاحتجاجات والانقسامات العميقة.
ومن المتوقع أن يدخل القانون حيز التنفيذ في الأسابيع المقبلة بمجرد موافقة البرلمان وتوقيع الرئيس عليه، بهدف معالجة أزمة الاكتظاظ في السجون التي تضم نحو 8600 معتقل، حيث سيؤدي لإطلاق سراح أكثر من 3000 سجين، بمن فيهم أولئك الذين قضوا 14 عاماً دون محاكمة.
وسيعمل القانون على استبدال أحكام الإعدام وتخفيض عقوبات المؤبد للمسلحين وتجار المخدرات، مع استثناء جرائم الاغتصاب، والاتجار بالبشر، والفساد، وتمويل الإرهاب، والقتل العمد، إلا أن احتمالية تخفيض أحكام قتلة الجنود فجّرت غضباً واسعاً.
سميرة بو صعب، والدة الملازم أول في الجيش اللبناني جورج بو صعب، الذي قُتل عام 2013 خلال اشتباكات مع أنصار الشيخ السني أحمد الأسير في مدينة صيدا، عبرت عن رفضها القاطع للمشروع.
وقالت بو صعب وهي تمسك بصورة ابنها: " كانت أمنيتي منذ البداية، منذ خففوا حكم إعدامه إلى المؤبد، أن يُعدم الأسير.
نحن لا نقبل بتخفيض أحكامهم أو شمولهم بالعفو، لقد قتلوا ولن يعودوا أبرياء أبداً".
وتساءلت بو صعب بحرقة: " هل سيعود ابني إذا أطلقوا سراح الأسير؟ الأسير مسؤول عن مقتل 22 شخصاً، كيف يكون هو المظلوم؟ هل يملك الحق في رؤية أطفاله وعائلته بينما ابني مدفون تحت التراب وأطفاله لا يعرفونه؟ في أي بلد أو قانون تُعتبر هذه عدالة؟ لن نقبل بهذا القانون حتى لو واجهت البلاد مشاكل".
في المقابل، شهدت بيروت تظاهرات لأنصار أحمد الأسير رفعوا خلالها الأعلام الإسلامية وصوره مع شعارات تصفه بأنه" رمز لمظلومية السنة في لبنان".
آمال شمس الدين، زوجة الأسير، التي شاركت في الاحتجاجات، قالت: " لو كان هناك عدل في بلادنا، لكان المعتقلون قد خرجوا وعادوا إلى منازلهم منذ زمن، ولكانت الحكومة قد اعتذرت لنا لأننا ظُلمنا"، متهمة السلطات بالرغبة في استمرار" اضطهاد الطائفة السنية"، معتبرة أن زوجها ضحية مؤامرة أشعلها" حزب الله".
ومع تقدم مسودة القانون، تجلت الانقسامات الطائفية بوضوح داخل أروقة البرلمان، حيث يطالب النواب السنة بإطلاق سراح" الإسلاميين"، بينما يسعى النواب الشيعة للعفو عن تجار المخدرات في منطقة البقاع، ويطالب المشرعون المسيحيون بالعفو عن اللبنانيين الذين فروا إلى إسرائيل عام 2000 (المرتبطين بجيش لبنان الجنوبي المنحل).
وعلق النائب نبيل بدر، المؤيد للقانون، على هذه التجاذبات قائلاً: " دخل مشروع القانون في طريق المساومات السياسية، وحاول العديد من المشرعين استخدام هذا القانون لتحقيق مكاسب سياسية شخصية على حساب المصلحة العامة".
وعلى الرغم من تأجيل الانتخابات البرلمانية بسبب الغزو الإسرائيلي الأخير للبنان وملاحقة جماعة" حزب الله"، أكد المشرعون مضيهم قدماً في قانون العفو كضرورة إنسانية وقانونية لمواجهة وضع السجون المتفجر.
الجدير بالذكر أن أهالي العسكريين الشهداء صعدوا احتجاجاتهم مؤخراً بوضع عشرات الأحذية العسكرية الفارغة أمام مبنى البرلمان في بيروت كتعبير رمزي عن دماء أبنائهم التي يخشون ضياعها خلف تسويات سياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك