كتب - زياد فرحان المجالي لم تعد واشنطن تقرأ الشرق الأوسط وحده بوصفه مركز العاصفة.
فبينما تنشغل المنطقة بتفاصيل غزة ولبنان ومضيق هرمز والاتفاق المؤقت مع إيران، تبدو العين الأميركية الأعمق مثبتة في مكان آخر: المحيط الهادئ، حيث يتقدم التحدي الصيني بوصفه أحد أخطر اختبارات الهيمنة الأميركية في القرن الحادي والعشرين.
في هذا السياق، لا تبدو الهرولة الأميركية نحو تهدئة جبهات الشرق الأوسط مجرد رغبة عابرة في خفض التوتر، ولا مجرد محاولة لإراحة إسرائيل أو ضبط أسعار النفط، بل جزءًا من إعادة توزيع كبرى للانتباه والقوة.
فالإدارة الأميركية تدرك أن استمرار الاستنزاف في الشرق الأوسط يستهلك وقتًا وموارد وقرارًا سياسيًا تحتاجه واشنطن في مواجهة صعود الصين العسكري والتكنولوجي.
ليست مقاتلة الجيل السادس الصينية J-36، ولا أسراب المسيّرات المتقدمة، ولا توسع البحرية الصينية، مجرد تفاصيل تقنية في سباق تسلح بعيد.
إنها مؤشرات على انتقال تدريجي في مركز الثقل الاستراتيجي من صحراء الشرق الأوسط ومضائقه إلى سماء وبحار المحيط الهادئ.
هناك، لا تواجه واشنطن دولة إقليمية يمكن احتواؤها بالعقوبات أو الضربات المحدودة، بل قوة كبرى تمتلك اقتصادًا هائلًا، وصناعة عسكرية متسارعة، ورؤية طويلة النفس لإعادة تشكيل ميزان القوة العالمي.
لهذا يبدو ترامب حريصًا على تجميد أكثر من جبهة في الشرق الأوسط.
يريد اتفاقًا مؤقتًا مع إيران، وتهدئة مضبوطة في هرمز، وكبحًا للتصعيد في لبنان، وإدارة للحرب في غزة تمنع انفجارًا إقليميًا أوسع.
فالهدف ليس السلام بمعناه الأخلاقي، بل شراء الوقت، وتخفيف الاستنزاف، ومنع الشرق الأوسط من ابتلاع القرار الأميركي في لحظة تتقدم فيها الصين بهدوء وثبات.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن الشرق الأوسط فقد أهميته.
فالنفط، وإسرائيل، والممرات البحرية، وإيران، والخليج، كلها ما تزال ملفات مركزية في الأمن الأميركي.
لكن الجديد أن هذه الملفات لم تعد وحدها تحدد بوصلة واشنطن.
لقد أصبح الشرق الأوسط جزءًا من معادلة أوسع، لا مركزها الوحيد.
فالولايات المتحدة لا تستطيع أن تخوض صراعًا مفتوحًا في الخليج، وتدير حربًا واسعة في لبنان وغزة، وتواجه في الوقت نفسه الصين في المحيط الهادئ بكل ما تملكه من أدوات عسكرية واقتصادية وتكنولوجية.
هنا تصبح J-36 رمزًا لا سببًا وحيدًا.
فهي لا تفسر وحدها التحول الأميركي، لكنها تكشف عمق القلق داخل المؤسسة العسكرية الأميركية.
فالحديث لم يعد عن طائرة فقط، بل عن منظومة كاملة من الذكاء الاصطناعي، والمسيّرات، والحرب الإلكترونية، والسيطرة الجوية بعيدة المدى.
الصين لا تسابق واشنطن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك