تعتبر مراكز البيانات القلب النابض لشبكة الانترنت حيث أنها تغذي جميع عناصر هذه المنظومة الإلكترونية من خدمات البريد الإلكتروني إلى محركات البحث، ورغم أن هذه المراكز تتواجد منذ عقود، فإن الشعبية الكاسحة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي واستخداماتها في توليد النصوص والصور ومقاطع الفيديو قد رفعت حجم استهلاك مراكز البيانات للطاقة لمعدلات غير مسبوقة على الإطلاق.
وتشير تقديرات شركة غوغل الأميركية العملاقة لخدمات الانترنت إلى أن معالجة قطعة نصوص مطولة نسبيا باستخدام تطبيق الذكاء الاصطناعي" جيميني" يستهلك قرابة 0.
24 غيغاواط/ ساعة، وهو ما يوازي مشاهدة التليفزيون لمدة تسع ثوان تقريباً.
ولكن في مارس/ آذار الماضي، كشفت تقديرات شركة أوبن إيه أي أن أكثر من 900 مليون شخص يستخدمون تطبيق الذكاء الاصطناعي الشهير" تشات جي.
بي.
تي" الخاص بها أسبوعياً، بما يوازي المليارات من عمليات البحث يومياً.
ويقول الباحث إيريك ماسانيت، المتخصص في مجال استدامة مراكز البيانات بجامعة كاليفورنيا سانتا باربرا الأميركية، إن حجم الكهرباء التي تستهلكها مراكز البيانات سواء على مستوى العالم أو في الولايات المتحدة، التي تضم أكبر عدد من هذه المراكز بين دول العالم، لا يتم الكشف عنه بشكل علني بواسطة شركات التكنولوجيا، ولكن معظم التقديرات الحديثة من وكالة الطاقة الدولية تشير إلى أن مراكز البيانات الأميركية التهمت قرابة 224 تيرا وات/ساعة من الكهرباء عام 2025، بما يوازي نحو 5% من إجمالي حجم استهلاك الولايات المتحدة من الطاقة، في زيادة ملحوظة من نسبة استهلاك هذه المراكز عام 2018 والتي بلغت 1.
9%، وذلك قبل الطفرة الكبيرة التي حققتها تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ضخ مئات المليارات من الدولارات في مراكز البياناتوخلال الصراع على الصدارة، تضخ شركات التكنولوجيا الكبرى مثل" غوغل" و" مايكروسوفت" و" أنثروبيك" عشرات إلى مئات المليارات من الدولارات في بناء مراكز بيانات تركز على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ومقارنة بمراكز البيانات القديمة التي تستهلك نحو 100 ميغاواط من الكهرباء وهو ما يكفي لاحتياجات نحو 83 ألف منزل من الكهرباء في المتوسط، فإن المراكز الجديدة عادة ما تستهلك نحو غيغاواط واحد أو أكثر لتشغيلها، وهو ما يوازي نحو 10% من طاقة الكهرباء في مدينة لوس أنجلوس الأميركية.
وأضاف ماسانيت في تصريحات نقلها الموقع الإلكتروني Knowable Magazine المتخصص في الأبحاث العلمية أن شركات التكنولوجيا تستثمر بشكل كبير في مجال موارد الطاقة المتجددة، ولكن إذا لم توفر مصادر الطاقة النظيفة كميات من الكهرباء تكفي لتشغيل مراكز البيانات، فإن أقصى استفادة يمكن أن تتحقق من خلال هذه الاستراتيجية تتمثل في تثبيت معدلات انبعاث ثاني أكسيد الكربون عند مستوياتها الحالية بدلا من الحد منها بما يكفي لمواجهة ظاهرة الاحترار العالمي.
ويتوقع الخبراء أنه بدون استراتيجيات فعالة في مجال ترشيد الطاقة بقطاع الذكاء الاصطناعي، فإن مراكز البيانات، بحسب أحد التقديرات التي صدرت العام الماضي، سوف تنتج انبعاثات بحجم يتراوح ما بين 24 إلى 44 ميغا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويا، وهو ما يوازي حجم الانبعاثات الذي تنتجه النرويج في الوقت الحالي.
ورغم أن الخبراء يتفقون على أن أسرع وسيلة لترشيد طاقة مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تتمثل في إجراء تعديلات برمجية على هذه النظم الحوسبية، توجد حاليا أفكار ومبادرات مبتكرة للتغلب على هذه المشكلة.
وطرح باحثون فكرة ابتكار رقاقات إلكترونية ذات قدرات حوسبية أعلى، مما يقلل من حجم الطاقة الذي يستهلك لنقل البيانات بين الرقاقات وبعضها لإجراء العمليات البرمجية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
وقد قام مهندسون متخصصون بالفعل بتصغير حجم وحدات الترانزسيستور داخل الرقاقات، ولكن نظرا لأن وحدات الترانزيستور قد وصلت بالفعل إلى أصغر حجم لها من الناحية الفيزيائية، أصبح من الضروري" التفكير في حلول بديلة لتحسين تصميم هذه الرقاقات" على حد قول مهندس الكمبيوتر أجاي جوشي من مركز الدراسات الفوتونية التابع لجامعة بوسطن الأميركية.
وقال الباحث راكيش كومار من جامعة إلينوي أوربانا تشابين الأميركية إن إحدى الاستراتيجيات المطروحة هو تكبير حجم الرقاقات، حيث أن رقاقة بحجم الطبق تستطيع استيعاب وحدات ترانزيستور يزيد بنحو سبعين مرة مقارنة بالرقاقات الحالية التي يوازي حجمها طابع البريد.
وأضاف كومار أن الرقاقات الضخمة يمكنها استهلاك طاقة أقل 143 مرة مقارنة بالرقاقات الحالية مما قد يجعلها جذابة لكثير من شركات الذكاء الاصطناعي.
ابتكار نظم بديلة للرقاقات التقليديةويرى باحثون إمكانية ابتكار نظم بديلة للرقاقات التقليدية، حيث يمكن صناعة رقاقات تستطيع إجراء عمليات المعالجة الحوسبية واختزان البيانات في آن واحد على غرار العقل البشري، مما سيؤدي إلى انخفاض كبير في معدلات استهلاكها للطاقة.
ومن بين الأفكار الأخرى المطروحة تصنيع رقاقات تعمل بشكل متقطع حسب الحاجة، دون الاضطرار إلى معالجة تدفق البيانات بشكل مستمر مثلما يحدث حالياً.
ويرى الباحثون أن هذه الطريقة يمكن أن تساعد في ترشيد الطاقة عن طريق إطفاء مكونات المنظومة عن العمل إذا لم يكن هناك احتياج فوري لتشغيلها.
وقالت إليني فاسلاكي خبير أنظمة التعلم الآلي بجامعة شيفيلد بإنجلترا إن" السماح لمكونات المنظومة بالراحة في حالة عدم الاحتياج لها قد يترجم في صورة خفض في استهلاك الطاقة".
فيما يرى الباحث جوشي من جامعة إلينوي في تصريحات لموقع Knowable Magazine أن تصنيع رقائق بصرية لتشغيل برامج الذكاء الاصطناعي قد يقلل بشكل كبير من حجم استهلاك الطاقة، مضيفا: " خلال عشر سنوات، قد نتوصل إلى حل عملي لاستخدام مثل هذه التقنية في مختلف مراكز البيانات".
مشكلة استهلاك الموارد المائيةويطرح الباحثون أيضا مشكلة استهلاك مراكز البيانات للموارد المائية في عمليات التبريد، ويؤكد بعضهم ضرورة الأخذ بهذه القضية في الاعتبار عند اختيار مواقع هذه المراكز.
وأوضح أحد الباحثين أن غالبية مراكز البيانات الأميركية تتركز في شمال ولاية فيرجينيا التي لا توجد بها موارد مائية ولا قدرات طاقة متجددة كافية مقارنة بمنطقة الغرب الأوسط الأميركي على سبيل المثال.
وقال الباحث فنجي يو استاذ أنظمة الطاقة بجامعة كورنيل الأميركية إن اختيار المواقع المناسبة لبناء مراكز البيانات قد يساعد في خفض البصمة الكربونية والمائية لهذه المراكز في الولايات المتحدة بنسبة تصل إلى 73% و86% على الترتيب مستقبلاً.
وفي النهاية يرى الباحث توني كينيون المتخصص في مجال إلكترونيات النانو في كلية لندن الجامعية ضرورة تحديد أوجه الاحتياج الحقيقية لاستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، ويوضح: " اعتقد أنه من الأخطاء الشائعة أنه عندما تظهر تقنية جديدة أن نحاول تطبيقها في جميع مناحي الحياة، فإن هذا النهج لا يحقق لنا في الواقع أي فائدة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك